فهرس الكتاب

الصفحة 249 من 1648

{فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ} [آل عمران: 36] ؛ أي: أردت أن يكون المولود ذكرًا يصلح للتحرير، فكان أنثى على خلاف رؤيتي {أُنْثَى} [آل عمران: 36] ، فعاملها الله، {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [آل عمران: 36] ؛ فعاملها الله {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا} [آل عمران: 37] ، يعني مريم {بِقَبُولٍ حَسَنٍ} [آل عمران: 37] ؛ يعني: بقبول ذكر، وفيه معنى آخر؛ أي: تقبل الله مريم بدعاء حنة بقولها: {فَتَقَبَّلْ مِنِّي} [آل عمران: 35] ، ورباها تربية التقبل والتكفل، ثم قبلها بقبول حسن؛ يعني: أخرج منها مثل عيسى عليه السلام، ويحتمل أيضًا أن يقال: {وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} [آل عمران: 37] ؛ أي: أثبت لها نباتًا حسنًا؛ يعني: عيسى عليه السلام، دليله قوله تعالى: {وَاللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا} [نوح: 17] ؛ أي: أنبت لكم.

ثم أخبر عن آية أخرى من آياته الكبرى بقوله تعالى: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} [آل عمران: 37] ، إشارة في الآية: إن الله تعالى لما أراد أن يخرج عيسى عليه السلام من مريم بلا أب، فمن كمال حكمته جعل تكفل مريم إلى زكريا عليه السلام؛ لئلا يدخل عليها غيره، فيكون أبعد من التهمة عند الخلق، {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا} [آل عمران: 37] ؛ إظهارًا لكرامتها لديه لتكون بريئة عن التهمة عند زكريا، فيقول لها: {قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ} [آل عمران: 37] ؛ أي: بأي سبب وطاقة وجدت هذه الكرامة؟ قالت: ليس هذا بسبب من عندي؛ بل هو فضل من عند الله، {إِنَّ اللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 37] ، بغير سبب من الأسباب، وفيه معنى آخر، وجد عندها رزقًا من فتوحات الغيب الذي يطعم الله به خواص عباده، الذين يبيتون عنده لا عند أنفسهم ولا عند الخلق، كقوله صلى الله عليه وسلم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت