فهرس الكتاب

الصفحة 284 من 1648

{وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} [الحديد: 4] ، وقال:"ألا من طلبني وجدني، ومن تقرَّب إليّ شبرًا، تقرَّبت إليه ذراعًا".

ثم أخبر عن إقامة الشكر في إدامة الصبر بقوله تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ} [آل عمران: 146] ، إشارة في الآيات: إنه وكم من نبي قاتل العدو، وأعدى العدو هي النفس التي بين جنبي الإنسان، {قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} [آل عمران: 146] ، قاتلوا العدو والربّيون، هي المتخلقون بأخلاق الرب {فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ} [آل عمران: 146] ، من تعب مجاهدات النفس وتضرر رياضتها، ومما ابتلاهم الله به {مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ} [البقرة: 155] ، {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [آل عمران: 146] ؛ أي: في سلوك طريق الوصول إلى الله تعالى: {وَمَا ضَعُفُواْ} [آل عمران: 146] ؛ يعني: في طلب الحق، {وَمَا اسْتَكَانُوا} [آل عمران: 146] ؛ يعني: وما رجعوا عن الطريق بالعجز، وما أذلوا نفوسهم بالتفات إلى غير الحق والصد عن سبيل الله، بل شبوا على قدم الطلب واستقاموا كما أمروا وصبروا على ما نهوا عنه، {وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 146] ، عند أحكام مجازي القدر المستسلمين لقضائه والمتحملين أعباء بلائه.

{وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ} [آل عمران: 147] ، عند إصابة الآلام والأسقام ونزول الأقضية والأحكام، {إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} [آل عمران: 147] ؛، أي استر ذنوب وجودنا بإسبال مغفرتك {وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا} [آل عمران: 147] ؛ أي: أمح عنا سرف أمورنا، {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} [آل عمران: 147] على جادة الطلب {وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 147] ، متمردين صفات النفس الكافرة {فَآتَاهُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 148] بصنيعهم وقولهم {ثَوَابَ الدُّنْيَا} [آل عمران: 148] ؛ أي: فتوحات الغيب والموهب في الدنيا، {وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ} [آل عمران: 148] ؛ أي: أحسن المراتب وأعلى المقامات في الآخرة، {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 148] ، الذين يعبدون الله على بصيرة كأنهم يرونه، وفيها إشارة أخرى وهي: إن الله تعالى لما أراد بخواص عباده كرامة التخلق بأخلاقه، ابتلاهم بقتال العدو وثبتهم عند المقامات، فاستخرج من معادن ذواتهم جواهر الصفات المكنونة فيها المكرم بها بنو آدم الصبر والإحسان، فهما صفات من صفات الله تعالى، ويتخلقوا بها هذا من ثواب الذي أتاهم الله تعالى، والله يحب صفاته ويحب من تخلق بصفاته، ولهذا قال تعالى: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت