{مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} [النجم: 11] ، فمعناه؛ أي: فشاور أرباب القلوب المنورة الملهمة من الله؛ ليكون رأى قلبك النور بنور الوحي مؤكد بالآراء التي منشأها القلوب المنور بنور الإلهام، فإنه تلو الوحي، نظيره قوله تعالى: {فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَآءَكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [يونس: 94] .
ثم قال تعالى: {فَإِذَا عَزَمْتَ} [آل عمران: 159] ؛ يعني: بعد المشاورة لاستصواب الآراء المنورة بنور الوحي والإلهام، {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [آل عمران: 159] ، لا على تلك الآراء فيما يظهر من الأمور مما تكرهه وتحبه، فإنه أعلم بالصواب منه لم منك، كقوله تعالى: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216] ، وفيه معنى آخر، فإذا عرفت الخروج من قشر الوجود، فتوكل على الله إلى تفويض أمر قشر الوجود إليه لا تقدر أن تخرج عن نفسك، بل هو الذي يخرجكم عن ظلمة وجودكم المخلوقة إلى نور القدم، كما قال تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [البقرة: 257] ، وقال تعالى: {يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ} [النور: 35] ، والتوكل تفويض الأمور الإلهية التي لا يمكن لغير الله تعالى، {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159] ، الذين جذبتهم العناية برسن المحبة إلى عزيمة الخروج من حجاب الوجود للوصول إلى المحبوب، ففوضوا أمر إخراج عن الوجود إلى الله تعالى لا سبيل لغيره إليه؛ لأنه هو الذي أخرجهم من العدم إلى الوجود، فهو يخرجهم منه بفضله وكرمه ويهديهم إليه.