{أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 108] ، ويكون خطه من المقامات بحسب استعداده، فافهم جيدًا.
ثم في قوله تعالى: {وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28] ، على عقيب هذه البشارات والإشارات، إشارات أنه لو لم يكن جذبات العناية الأزلية في حق الإنسان لما وصل سير خشيته إلى سرادقات جلال صمديته، ولو قدر لواحد قوة سير الثقلين إلى الأبد، وهذا أحد معاني قوله صلى الله عليه وسلم:"جذبة من جذبات الرحمن توازي عمل الثقلين"، وإن المجذوب يصل بقوة جذبة من جذبات الحق إلى مقام لا يصل إليه الثقلان بسعيهم؛ لأن الإنسان خلق ضعيفًا وغيره أضعف منه، فغن ضعف الإنسان إنما هو بالنسبة إلى قوة جلال الله وكماله، وإنه أقوى من السماوات والأرض والجبال وأهاليها في حمل الأمانة المعروضة عليهن كلهن، {فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ} [الأحزاب: 72] ، فافهم جيدًا.
ثانيها: {إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا} [المعارج: 19] ضعيفًا لا يصير على الله لحظة فيما يكون على الفطرة الإنسانية، {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30] ، فإنه {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] ، وقال شاعرهم:
إذا لعب الرجال بكل شيء ... رأيت الحب يلعب بالرجال
والصبر في سائر الأشياء محمود، وقال لبعضهم:
الصبر يحمد في المواطن كلها ... إلا عليك فإنه لا يحمد
وكان يستحي سلطان وقته محب الدين شرف بن يزيد البغدادي - قدس الله روحه - يقول يومًا في أثناء مجلسه: إن أبا الحسن الخرقاني - رحمه الله - كان يقول: لو لم ألق نفسًا لن أبق، ثم قال: لا يعظم عليكم هذا المقام، فإني رجعت لله بكثير من أصحابي عن هذا المقام.
ثم اعلم أن الإنسان ممدوح بهذا الضعف؛ يعني: أن لا يصبر لضعفه عن الله تعالى فإنه مخصوص عن العالمين بشرف هذا الضعف، فإن من عداه يصبرون عن الله تعالى؛ لعدم اضطرارهم في المحبة، والإنسان مخصوص بالمحبة بدليل {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] .
وثالثها: إن الإنسان مع اختصاصه بقوة حمل الأمانة وانجذابه العناية خلق ضعفًا عند سطوات تجلي الصفات ومن صفات الله تعالى، ألم تر كيف كان حال موسى عليه السلام {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا} [الأعراف: 143] .
ورابعها: إن الصبر عن الله وإن كان شديدًا، فالصبر مع الله أشد وأشد؛ لأن الإنسان خلق ضعيفًا، ونقصان هذا الضعف فيه بكمال قوة سطوة تجلي ربه، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يغان على قلبه؛ لضعف خلقته، فكان عند استغراق الشهود وغلبات الأحوال يقول:"كلميني يا حميراء"، أو كان النبي يقول:"لا معك قرار ولا منك فرار المستعان منك بك إليك".
واعلم أن الضعف مخصوص بالإنسان وهو سبب كماله وسعادته، وسبب نقصانه وشقاوته، يتغير من ضعفه من حال إلى حال ومن صفة إلى أخرى، فيكون ساعة بصفة بهيمية يأكل ويشرب ويجامع، ويكون ساعة أخرى بصفة ملك يسبح بحمد ربه ويقدس له، ويفعل ما يؤمر ولا يعصي فيما نهاه عنه، وهذه التغيرات من نتائج ضعفه، وليس هذا الاستعداد لغيره، حتى الملك لا يقدر أن يتصف بصفات البهيمية، والبهيمية لا تقدر أن تتصف بصفات الملك؛ لعدم ضعف الإنسانية، وإنما خص الإنسان بهذا الضعف لاستكماله بالتخلق بأخلاق الله واتصافه بصفات الله تعالى، كما جاء في الحديث الرباني: