[الشعراء: 77] ، والحبيب اتخذ نفسه عدوًا في الله وقال: ليت رب محمد صلى الله عليه وسلم لم يخلق محمدًا، كما قيل قريب بهذا المعنى: بيني وبينك أني يزاحمني فارفع بجودك إني من البين.
قال الشيخ الإمام مصنف هذا الكتاب - رحمه الله: فلما أن رأيت وجودك رحمة، تمنيت من الله أن ليت لم أخلق.
وفي قوله تعالى: {وَللَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [النساء: 126] ، إشارة إلى: إنه تعالى يوجد عند كل ذرة من ذرَّاتها بالإيجاد والحفظ، والإبقاء والإفناء، والكل يقولون: {إِنَّا للَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 156] ، فمن طلب الحق عند كل شيء يجده مع كل شيء وفي أول كل شيء، وأول كل شيء وأخر كل شيء، وظاهر كل شيء، وإلى هذا يشير بقوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا} [النساء: 126] ، وكذا قوله: {أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ} [فصلت: 54] ، تفهم إن شاء الله تعالى.
{وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَآءِ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ} [النساء: 127] ، اعلم أن النفس بمثابة المرآة لزوج الروح ففي قوله: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَآءِ} [النساء: 127] ، يسير إلى الاستخبار عن النفوس {فِي يَتَامَى النِّسَآءِ} [النساء: 127] ، عن الصفات {اللَّاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ} [النساء: 127] ؛ يعني: ما أوجب الله تعالى على العبد الطالب الصادق من حقوق النفس، كما قال صلى الله عليه وسلم لعبد بن عمرو رضي الله عنه حين جاهد نفسه بالليل بالقيام وبالنهار بالقيام:"إن لنفسك عليك حقًا صم وأفطر وقم ونم"؛ والمعنى: {قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} [النساء: 127] ، إنها مراكبكم في السير إلى الله فلا تقبلوا عن ترتيبها بالكلية فتجاهدوها بالرياضيات فتنقطع عن السير؛ بل الجواب أن تتفقدوها بأداء حقوقها وتواسوها بالرفق في تركيبها، كما قال صلى الله عليه وسلم:"إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق"، يريد لا تحملوا على أنفسكم، ولا تكلفوها ما لا تطيقه فتعجز، وترك الدين والعمل {وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ} [النساء: 127] ؛ يعني: ولا ترغبوا عن مصاحبة النفس وصفاتها، والمداومة معها في تهذيب أخلاقها وتربية صفاتها، إلى أن تردوها إلى حد الاعتدال، فإن قلع هذه الصفات ونفيها بالكلية ليس بمحمود، وإنما المحمود اعتدالها في أن تفي إلى أمر الله وأحكام الشرع، وكذا {وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ} [النساء: 127] ؛ وهو الأفعال المتولدة من صفات النفس: كالأكل والشرب والنكاح وأمثالها، فإن لكل واحد منهم حقًا ورعاية حقوقهم، {وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ} [النساء: 127] ؛ يعني: وإن تقوموا لرعاية حقوق النفس وصفاتها وأفعالها بميزان الشرع قيامًا بالحق والعدل، {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ} [النساء: 127] في حق النفس وصلاحها وإصلاح صفاتها، {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا} [النساء: 127] ، وكذلك ما تفعلوا من شر في التفريط والإفراط فيجازيكم به.