{نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ} [الشعراء: 193 - 194] ، وأمثال هذه البراهين كثيرة، فمن أعظمها أنه عرج إلى السماء حتى جاوز قاب قوسين وابلغ أو أدنى وذلك برهان لنفسه بالكلية، وما أعطى نبي قط وكان بعد أن أوحى إليه ما أوحى أفصح العرب والعجم وكان من قبل أُميًا لا يدري ما الكتاب والإيمان، فأي برهان أقوى من هذا وأوضح وأظهر، وأن الله تعالى أكرم هذه الأمة به ومن عليهم به فقال: {قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ} [النساء: 174] ، {وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ} [النساء: 174] ؛ يعني: مع هذا البرهان الواضح {نُورًا مُّبِينًا} [النساء: 174] ؛ وهو القرآن سماه نورًا؛ لأنه من صفاته القديم الذي به يهتدي إلى الصراط المستقيم؛ وهو صراط الله العظيم وكلمته التي بنورها اهتدى الأشياء من العدم إلى الوجود كما يهتدي بالنور، يدل عليه سياق الآية {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللَّهِ} [النساء: 175] إيمانًا حقيقيًا بنور الله لا بالتقليد، {وَاعْتَصَمُوا بِهِ} [النساء: 175] ؛ أي: وتخلقوا بخلق القرآن فهو الاعتصام به على التحقيق {فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ} [النساء: 175] ؛ يعني: بجذبات العناية يدخلهم في عالم الصفات، فإن رحمته صفته {وَفَضْلٍ} [النساء: 175] ؛ أي: في فضل إذ هو أيضًا صفته لأنه ذو الفضل العظيم، {وَيَهْدِيهِمْ} [النساء: 175] ؛ يعني: بنور القرآن وحقيقة التخلق بخلقه، {إِلَيْهِ} [النساء: 175] ؛ أي: إلى الله {صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا} [النساء: 175] ؛ وهو في الحقيقة صراط أنزل به القرآن فبالاعتصام به يصعد السالك بهذا الصراط المستقيم إلى حضرة الله الحليم الكريم، فافهم جيدًا.