فهرس الكتاب

الصفحة 403 من 1648

{إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا} [آل عمران: 193] .

وأهل الصف الثاني هم خواص المؤمنين فكما آمنوا هناك؛ إذ شاهدوا فكذلك هنا آمنوا بشواهد المعرفة كما قال تعالى: {وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا} [المائدة: 83] ، ومن هنا قال بعضهم: ما رأيت شيئًا إلا ورأيت الله فيه، وأهل الصف الأول وهم الأنبياء وخواص الأولياء فكما آمنوا هناك إذ عاينوا فكذلك آمنوا هنا إذا عاينوا كقوله تعالى: { آمَنَ الرَّسُولُ} [البقرة: 285] ، وذلك في ليلة المعراج إذا أوحى إلى عبده ما أوحى، قال: { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ} [البقرة: 285] .

وكان إيمان موسى عليه السلام نوعًا من هذا، {فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 143] ، فقال علي: رضي الله عنه"لم أعبد ربًّا لم أره"قال بعضهم: رأى قلبي ربي، وقال آخر: ما نظرت في شيء إلا ورأيت الله قبله، فخاطب أهل الصف الأول: يا أيها الذين آمنوا تحقيقًا ثم أهبطوا عن ممالك القرب إلى مهالك البعد، ومن رياض الأنس إلى سباخ الإنس، {إِذَا قُمْتُمْ} من نوم الغفلة وانتبهتم من رقدة الفرقة، {إِلَى الصَّلاةِ} هي معراجكم للرجوع إلى مقام قربكم، كما قال تعالى: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق: 19] .

{فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] التي توجهتم بها إلى الدنيا ولطختموها بالنظر إلى الأغيار بماء التوبة والاستغفار، {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6] أي: واغسلوا أيديكم عن التمسك بالدارين والتعلق بما في الكونين حتى الصديق الموافق والرفيق المرافق، {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} [المائدة: 6] ، ببذل نفوسكم، {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ} [المائدة: 6] أي: واغسلوا أرجلكم عن طين طينتكم والقيام بأنانيتكم.

{وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا} [المائدة: 6] ، بالتفات إلى غيرنا، {فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] ، بالنفوس عن المعاصي وبالقلوب عن رؤية الطاعات، وبالأسرار عن رؤية الأغيار، وبالأرواح عن الاسترواح عن غيرنا، وبسر الستر عن لون الوجود، {وَإِن كُنتُم مَّرْضَى} [المائدة: 6] ، من حب الدنيا، {أَوْ عَلَى سَفَرٍ} [المائدة: 6] ، في متابعة الهوى، {أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ الْغَائِطِ} [المائدة: 6] ، في قضاء حاجة شهوة من الشهوات، {أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَآءَ} [المائدة: 6] ، وهي الدنيا في تحصيل لذة من اللذات، {فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً} [المائدة: 6] ، التوبة والاستغفار، {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة: 6] ، فتمرغوا في تراب أقدام الكرام فإنه طهور الذنوب العظام، {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ} [المائدة: 6] ، أي: تراب أقدامهم وشمروا بخدمتهم {وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ} [المائدة: 6] ، لأن فيه شفاء لقساوة القلوب ودواء لمرض الذنوب، {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ} [المائدة: 6] ، بهذه الذلة والصغار، {وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} [المائدة: 6] ، من الذنوب الكبار وأكبر الكبائر الشرك بالله وأعظم الشرك شرك الوجود مع وجود المعبود، وهذا ذنب لا يغفر إلا بالتمرغ في هذا التراب ولوث لم يُطهر إلا بالالتجاء إلى هذه الأبواب {وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} [المائدة: 6] بعد ذوبان نحاس أنانيتكم بنار تصرفات هممهم العالية بطرح إكسير أنوار الهوية {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 6] ، إذ تهتدون بأنوار الهوية إلى رؤية أنوار المنعم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت