فهرس الكتاب

الصفحة 415 من 1648

أتاني هواها قبلَ أن أعرفَ الهوى ... فصادفَ قلبي فارغًا فتمكَّنا

ولتعقل النفس عن طلب الدنيا بل يحرضها العقل على العبودية وينهاها عن متابعة الهوى، فذكر آدم الروح لولديه ما أمر الله به، فرضي هابيل القلب، وسخط قابيل النفس وقال: هي أختي - يعنى إقليما الهوى - ولدت معي في بطني، وهي أحسن من أخت هابيل القلب - يعنى ليوذا العقل - وأنا أحق بها، ونحن من ولائد جنة الدنيا، وهما من ولائد أرض العقبى فأنا أحق بأختي، فقال له أبوه: إنها لا تحل لك يعنى؛ إذ كان الهوى قرينك فتهلك في أودية حب الدنيا وطلب لذاتها وشهواتها؛ فأبى أن يقبل قابيل النفس هذا الحكم من آدم الروح، وقال: الله تعالى لم يأمر به وإنما هذا من رأيه، فقال لهما آدم الروح: قربا قربانًا فأيكما يقبل قربانه فهو أحق بها، فخرجا ليقربا، وكان قابيل النفس صاحب زرع يعني مدبر النفس النامية، وهي القوة النباتية فقرب طعامًا من أردأ زرعه، وهو القوة الطبيعية، وكان هابيل القلب راعيًا يعنى مواشي الأخلاق الإنسانية والصفات الحيوانية، فقرب جملًا يعنى الصفة البهيمية، وهي أحب الصفات إليه لاحتياجه إليها لضرورة التغذي والبقاء، ولسلامتها بالنسبة إلى الصفات السبعية الشيطانية، فوضعا قربانهما على جبل البشرية، ثم دعا آدم الروح، فنزلت نار المحبة من سماء الجبروت؛ فأكلت جمل الصفة البهيمية؛ لأنها حطب هذه النار، ولم تأكل من قربان قابيل النفس حبة لأنها ليست من حطبها بل هي من حطب نار الحيوانية، فهذا تحقيق قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ} [المائدة: 27] .

ثم ظهر لقابيل النفس الحسد والعداوة على هابيل القلب وقصده {قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ} [المائدة: 27] ، حسدًا {قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27] ، بالله عما هو سواه {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي} [المائدة: 28] حسدًا {مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ} [المائدة: 28] ، حسدًا وأمنعك من قتلي بغير إذن بقاء بل أريد أن تقتلني {إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} [المائدة: 28] ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت