فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 1648

{بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} [النساء: 155] ، فسر القدر مستور لا يطلع عليه أحد إلا الله، فيظهر آثار السعادة بإقرار السعداء ويظهر آثار الشقاوة بإنكار الأشقياء وكفرهم من القدر، كالبذر في الأرض مستور فتظهر الشجرة منه وهو في الشجرة مستور، فيخرج مع الأغصان من الشجرة وهو في الأغصان مستور، حتى يخرج مع الثمرة من الأغصان وهو في الثمرة مستور، حتى يظهر من الثمرة فيختم ظهور البذر بالثمرة فكذلك سر القدر، وهو بذر السعادة أو الشقاوة مستور في علم الله تعالى، فتظهر شجرة وجود الإنسان منه والسعادة والشقاوة مستورة فيها فتخرج أغصان الأخلاق وهي مستورة فيها، فتخرج مع ثمرة الأعمال وهي الإقرار والإنكار والإيمان والكفر، فيختم ظهرو سر القدر وهو السعادة أو الشقاوة بثمرة الإيمان أو الكفر، فيظهر سر القدر عند الختم بالسعادة أو الشقاوة فالذين {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ} إنما ختم بخاتم كفرهم.

وإن كان نقش خاتمهم هو الأحكام الأزلية وسر القدر حتى حرموا من دولة الوصال وبه ختم {وَعَلَى سَمْعِهِمْ} [البقرة: 7] حتى لم يسمعوا خطاب الملك ذي الجلال {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْغِشَاوَةٌ} [البقرة: 7] ، من العمى والضلال، فلم يشاهدوا ذلك الجمال والكمال فلهم حرمان مقيم {وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ} [البقرة: 7] ، لأنهم منعوا من مرادهم وهو العلي العظيم، فعظم العذاب يكومن على قدر عظمة المراد الممنوع منه.

ثم بعد ذكر المؤمنين وأحوالهم والكافرين وأفعالهم ذكر المنافقين وأقوالهم وأعمالهم وخصالهم بقوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ} [البقرة: 8] ، والناس هم الذين نسوا الله ومعاهدته يوم الميثاق فمنهم من يقول آمنا بالله بلسانه {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} [آل عمران: 167] ، فإن الإيمان الحقيقي ما يكون من نور الله الذي يقذفه الله في قلوب خواصه، وقوله تعالى: {وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ} [البقرة: 8] أي: بنور الله يشاهد الآخر فيؤمن به، فمن لم ينظر بنور الله لا يكون مشاهد العالم الغيب، فلا يكون مؤمنًا بالله وباليوم الآخرة.

ولهذا قال: {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8] أي: بالذي يؤمنون من نور الله تعالى. وفيه معنى آخر: وما هم بمستعدين للهداية إلى الإيمان الحقيقي؛ لأنهم من غاية الغلالة والخذلان {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: 9] أي: يمكرون بالله والمؤمنين بإظهار الإيمان وإخفاء الكفر لينالوا من الله والمؤمنين منافع الإيمان من الأمان عن القتل والنهب والأسر وغير ذلك من تظلم مصالح الدنيا، والإشارة في تحقيق الآية أن الله تعالى لما قدر لبعض الناس الشقاوة في الأزل ثمر بذر سر القدر المستور في أعمال ثمرة مخادعة الله في الظاهر ولا يشعر أن مخادعته نتيجة بذر سر القدر بطريق تزيين الدنيا في نظره وحب شهواتها في قلبه كما قال تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت