[الكهف: 66 - 67] ؛ يعني: في المتابعة والتسليم وترك الاعتراض {قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْرًا * قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ} [الكهف: 69 - 70] ؛ يعني: أن من شرط المتابعة ترك السؤال عن الأفعال، وغيرها فلما لم يستطع موسى عليه السلام معه صبرا قال - يعني موسى - {إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي} [الكهف: 76] ، يشير إلى أن يعلم العلم اللدني بالحال في الصحبة والمتابعة والتسليم لا بالقال السؤال، وفي السؤال الانقطاع عن الصحبة فافهم جيدًا.
فلا عاد في الثالثة إلى السؤال، وقال: {قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} [الكهف: 77 - 78] ، قال: {عَفَا اللَّهُ عَنْهَا} [المائدة: 101] ؛ أي: عما سألتهم وطلبتم علوم الحقائق بالقال قبل نزول هذه الآية {وَاللَّهُ غَفُورٌ} [المائدة: 101] لمن تاب ورجع إلى الله في طلب علوم الحقائق بالقال والسؤال {حَلِيمٌ} [المائدة: 101] ، بأن يطلب بالحال يحلم عنهم في أثناء الطلب بالصدر منهم مما ينافي أمر الطلب إلى أن يوفقهم لما يوافق الطلب، قال تعالى: {قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ} [المائدة: 102] ؛ يعني: من مقدمي الفلاسفة قد شرعوا في طلب العلوم الإلهية بالقال ونظر العقل فوقعوا في أودية الشيطان {ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ} [المائدة: 102] ؛ أي: بسبب الشبهات التي وقعوا فيها بتتبع القال والقيل وكثرة السؤال وترك متابعة الأنبياء - عليهم السلام.
ثم أخبر عن اعتراض أهل الافتراء بقوله تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ حَامٍ} [المائدة: 103] ، إشارة أن الشيطان كما سلط على قوم حتى أغراهم على الابتداع في أحكام الأنعام وترك الاتباع، كذلك سلط على قوم قادر على التصرف في أنعام أجسامهم ونفوسهم مبتدعين غير متبعين وهم يزعمون أن هذه التصرفات في الله، ففي قوله تعالى {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ} إشارة إلى أن من يتصرف في بدنه بما لم يؤمر به كمن يشق أذنه أو ينقبها، ويجعل فيها الخلقة من الحديد أو يثقب صدره أو ذكره، ويجعل عليه الغفل أو يجعل في عنقه الغل ويحلق لحيته مثل ما يفعلون هؤلاء القلندرية، ولا سائبة وهم الذين يدورون في البلاد ومنهم مسيبين، خليعي العذار يرتعون في مراتع البهيمية والحيوانية بلا لجام الشريعة وقيد الطريقة، وهم يدعون أنهم أهل الحقيقة، قد لعب الشيطان بهم واتخذوا إلههم هواهم، {وَلاَ وَصِيلَةٍ} [المائدة: 103] وهم الذين به يبيحون المحرمات ويستحلون الحرمات، ويتصلون بالأجانب من طريق الأخوة والأبوة كالإباحية والزنادقة، فيغتر به ويظن أنه بلغ مقام الوحدة وأنه محمي عن النقصان بكل حال، ولا تضره مخالفات الشريعة؛ إذ هو بلغ مقام الحقيقة، فهذا كله من وساوس الشيطان وهواجس النفس ما أمر الله بشيء من ذلك ولا خص لأحد فيه، {وَلَكِنَّْ الَّذِينَ كَفَرُواْ} [المائدة: 103] ، بترك الشريعة وادعوا الحقيقة {يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} [المائدة: 103] ، بمثل هذه الأشياء إنها من الله ولله وفي الله {وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} [المائدة: 103] ، إن هذا من الشيطان لا من الرحمن، وذلك أن أكثرهم قد أخذوا هذه الطريقة المضلة بالتقليد من الجهال وأهل الضلال {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ} [المائدة: 104] ، من الأحكام {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ} [المائدة: 104] ؛ أي: وإلى متابعته {وَإِلَى الرَّسُولِ} [المائدة: 104] ؛ أي: مشايخنا وأهل صحبتنا الذين أخذوا هذه الطريقة السوء منهم {قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ} [المائدة: 104] ، الذين وضعوا هذه الطريقة وابتدعوها {لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا} [المائدة: 104] ، من الشريعة والطريقة {وَلاَ يَهْتَدُونَ} [المائدة: 104] ، إلى عالم الحقيقة فإنهما أهل الطبيعة وأرباب الخديعة، ولقد شاعت في الآفاق فتنتهم وكملت فيهم غرتهم، وما لهم من دافع ولا مانع ولا وازع على أن الخرق قد اتسع على الرفع.