فهرس الكتاب

الصفحة 451 من 1648

{أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28] ، ولعلموا صدق رسولهم بنور الإيمان فإن المؤمن ينظر بنور الله، وكانوا لله شاهدين بالوحدانية وما احتاجوا إلى هذا التساؤل وكانوا مؤمنين مسلمين لأحكام الله تعالى وأوامر رسوله كما كان الحواريون الذين، قالوا: آمنا إيمانًا حقيقيًا، وقالوا: واشهدوا بأننا مسلمون فلما علم عيسى عليه السلام أن الله تعالى في إنزال المائدة حكمة بالغة وألحوا عليه بسؤالها قال: {اللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ} [المائدة: 114] ، أي: مائدة الأسرار والحقائق التي تنزلها من سماء العناية عليها أطعمة الهداية {تَكُونُ لَنَا} [المائدة: 114] ؛ يعني: لأهل الحق {عِيدًا} [المائدة: 114] ، ففرح بها {لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا} [المائدة: 114] ؛ أي: الأزل أنفاسنا وآخرها بالتصعد مع الله وتهوي مع الله ففي صعود النفس مع الله يكون عبدًا له وفي هوية مع الله يكون عبدًا له، وقال تعالى: {وَآيَةً مِّنْكَ} [المائدة: 114] ؛ أي: تلك المائدة تكون تجلي صفة من الصفات {وَارْزُقْنَا} [المائدة: 114] ، من فضلك الخاص {وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [المائدة: 114] ؛ لأن رزقك الذي ترزق به خواص عبادك رزق منك ورزق غيرك لا يكون منه.

ثم قال الله تعالى: {قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ} [المائدة: 115] ، يا أرباب الطلب مائدة الأسرار والحقائق {فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ} [المائدة: 115] ، بأن لا يقوم بحقها ولا يؤدي شكرها ويجعلها شبكة يصطاد بها الحطام الدنيوي ويصرفها في تحصيل الشهوات البهيمية والحيوانية {فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ} [المائدة: 115] ، بأن أرده من مراتب الروحاني إلى مهالك الحيواني، وهذا هو المنح الحقيقي وفيه إشارة أخرى إن ذلك القوم من الحواريين الذين سألوا المائدة لما كان الإيمان تقليديًا لا تحقيقيًا تنفعهم الآيات ولا المعجزات، ولما أراد الله تعالى أن يكشف عن بعض حقائق الأمور الأخروية تبنها للخلق وجعل المائدة محك نقود جواهر ذلك القوم، فلما كان الغالب عليهم حسه الحيواني وشهوته النفساني التمسوا المائدة وضيعوا الفائدة، وأكلوا منها وأسرفوا وتصرفوا فيها؛ فخابوا فلما أظهروا ما أظهروا من صفات الخنازير سلخ الله تعالى صورة الإنساني عن حقائق صفات الحيواني وألبسهم صورة من حقائق صفاتهم فمسخوا خنازير ليعتبر الخلق ويتحقق لهم أن الناس يحشرون على صور صفاتهم التي ماتوا عليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت