فهرس الكتاب

الصفحة 456 من 1648

[ص: 71 - 72] ، {ثُمَّ قَضَى أَجَلًا} [الأنعام: 2] ؛ يعني: الروح المفارق عن مكثه قضي إجلالًا لأيام فراقه عن الحضرة وبُعده عن وطن الحقيقي {وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ} [الأنعام: 2] ، وهو أجل الوصلة بعد الغرفة في مقام العندية، كقوله تعالى: {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} [القمر: 55] ، فلأجل الفرقة مدى ومنتهى ولأجل الوصلة لا مدى ولا منتهى وإنما قال تعالى مسمى لأن وقت الوصلة مسمى عنده، وهو حين يجذب إليه بجذبة {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ} [الفجر: 28] ، فلأيام الوصلة ابتداء، وهو حين تطلع شمس التوحيد عن شرق القلوب إلى أن تبلغ حق شراء الوحدة، ثم شروق فلا غروب لها {ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ} [الأنعام: 2] ، يا أهل الوصلة كما يمترون أهل الفرقة هذا محال جدًّا.

ثم أخبر عن مرام وجههم بقوله تعالى: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ} [الأنعام: 3] ، إلى قوله: {يَسْتَهْزِءُونَ} [الأنعام: 5] ، والإشارة فيها أنه هو الله في سماوات القلوب وفي أرض النفوس {يَعْلَمُ سِرَّكُمْ} [الأنعام: 3] ، الذي أودع فيكم وهو سر الخلافة الذي اختص به الإنسان لقبول الفيض الإلهي {وَجَهْرَكُمْ} [الأنعام: 3] ؛ أي: ما هو ظاهر منكم من الصفات الحيوانية والأخلاق النفسانية {وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} [الأنعام: 3] ، باستعمال الاستعداد السر والجهر والمأمورات والمنهيات من الخير والشر، وقد خص الإنسان بهذا الكسب أيضًا من الملك والحيوان، فإن الملك لا يقدر أن يكسب من الصفات الحيوانية شيئًا، ولا الحيوان قادر على أن يكسب من الصفات الملكية شيئًا والإنسان متصرف في هاتين الصفتين، وله اكتساب التخلق بأخلاق الله، بالتقرب إلى الله بأداء ما فرض عليه والتزام النوافل واجتناب النواهي إلى أن يصير خير البرية، وأيضًا أن يكتب من الشر ما يصير به شر البرية، فيكون من أحواله ما أخبر عنه.

وقال تعالى: {وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ} [الأنعام: 4] ، في الآفاق وفي أنفسهم من المعجزات والكرامات والإلهامات {إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ} [الأنعام: 4] ، وذلك لإقبالهم على الدنيا وزينتها وشهواتها، فصاروا كأنعام فكسبوا ما صاروا به من جملته بل هم أضل، وذلك لأن لأنعام ما كذبوا بالحق وأنهم {فَقَدْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ} [الأنعام: 5] ، فتكذيب الحق صاروا أضل من الأنعام {فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ} [الأنعام: 5] ، في الدنيا والآخرة {أَنْبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} [الأنعام: 5] ، أما في الدنيا فقد استهزءوا بأقوال الأنبياء والأولياء وأحوالهم يعميهم الله، ويعمي أبصارهم فلا يهتدون إلى الحق ولا إلى حقيقته سبيلًا، وأما في الآخرة فيعذبهم بعذاب القطيعة والبعد والحرمان والخلود في النيران.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت