[فاطر: 2] ، فالعبد يكون قلبه نورًا بذلك النور، ويكون في جميع أحواله في السراء والضراء إلى الله تعالى، ومن يشهد له باب جناب القدس يحرم من نور الرحمة، ويبقى في ظلمة البشرية فيكون رجوعه في السراء إلى المخلوقات وينسى الخالق، وأما في الضراء عند الاضطرار، فلا بد يكون رجوعه إلى الحق تعالى، وينسى غيره لأن في روحانيته مركوزًا رجوعه إلى ربه كقوله تعالى: {إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى} [العلق: 8] ، فقال تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المنسدة أبوابهم إلى جناب القدس ولا يرجعون إليه في السراء {أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ} يعني: في الضراء {أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ} [الأنعام: 40] ؛ يعني: لكشف الضر عند الاضطرار {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الأنعام: 40] ، في الجواب {بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ} [الأنعام: 41] ؛ لأن في روحانيتكم مركوزا مفرقة خصوصيته أمن يجيب المضطر إذا دعاه فيكشف {مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ} [الأنعام: 41] ، في الأزل {وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 41] فيخلصكم من حبس الاثنينية التي هي منشأ الشرك ويوصلكم إلى الوحدانية أن قدر في الأزل حتى تنسوا وتتركوا الإشراك.
ثم أخبر عن البأساء والضراء بقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ} [الأنعام: 42] ، إلى رب العالمين والإشارة فيهما أن أرسلنا لهم نعمة القيامة والكفاف من الرزق والرفاهية في العيش تشغلوا لها عنا وغفلوا عن الرجوع إلينا، فأمهلنا إليهم رسلنا بالبراهين القاطعة والحجج الساطعة والدلائل الواضحة؛ فدعوا بها إلينا فلم يهتدوا بها {فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} [الأنعام: 42] ، منها يمتحنون إلينا ويرجعون عما كانوا عليه.