ثم أخبر عن أصول أهل الوصول بقوله تعالى: {وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام: 52] ، الآيتين الإشارة فيهما أن من عواطف إحسانه ولطائف امتنانه وحقوق خواص عباده أن يكون في بعض الأوقات لسانهم فيتكلمون به كما قال:"كنت له سمعًا وبصرًا ولسانًا. . . إلى آخره"وفي بعض الأوقات يكون لسانهم فيتكلم عنهم، فإذا تكلموا به لكلم مع عباده ليدعوهم إليه، وإذا تكلم عنهم مع عباده ليهديهم إليه فما كان حال الفقراء مع النبي صلى الله عليه وسلم العجز عن الاستدراك ومعارضته فيما كانوا بصدده من إخلاء الرسول صلى الله عليه وسلم مجلسه عنهم سكتوا عن الاعتراض وتوجهوا بقلوبهم إلى الحق تعالى متضرعين بين يديه معرضين برائتهم لديه فتولى الحق سبحانه ظهارها في ضمائرهم، واطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على سرائرهم، فقال تعالى: {وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} أخبره عن دوام ذكرهم، وأنهم حسباء الله بالغداة والعشي كما قال تعالى:"أنا جليس من ذكرني"، فلا تطردهم عن مجالستك فإنهم يطلبوني في متابعتك وقد خصهم الله تعالى بإرادته عما سواهم كما قال تعالى: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ} [آل عمران: 152] وقال تعالى: {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام: 52] فكل يريدون منه وهم لا يريدون عنه دونه كما قيل شعر:
وكل له سؤال ودين ومذهب ... ووصلكم سؤلي وديني رضاكم
ويقال: تكلم الناس في الإرادة فأكثروا، وتحقيقها: احتياج يحصل في القلب يسلب القرار من العبد حتى يصل إلى الله تعالى، فصاحب الإرادة لا يهدوا ليلًا ولا نهارًا ولا يجد من دون وصوله إليه سبحانه مسكونًا ولا قرارًا.
ثم قال تعالى: {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ} [الأنعام: 52] ؛ يعني: ما لك منعك في الحساب من المواصلات والتوحيد في الخلوات فإنهم ليسوا في شيء من ذلك ليكون عليك نقلًا منهم {وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ} [الأنعام: 52] ، منها {مِّن شَيْءٍ} [الأنعام: 52] ، ولا ما لنا فيكون في الحساب في التفرد للوصول والوصال لكن إليه حاجة أو غيره لينقل عليهم منها شيء {فَتَطْرُدَهُمْ} [الأنعام: 52] ، فتكثر قلوبهم الطرد {فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 52] ، يوضع الكسر في موضع الجير، فإنك بعثت قلوبهم، كقوله تعالى: واخفض جناحيك للمؤمنين.