{يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] ، فكانوا يريدون وجهه؛ أي ذاته فخصتهم في إتيان خصهم من الرحمة بالوصول إلى الذات.
كما خصَّ الخضر عليه السلام بإيتاء الرحمة من عنده بقوله تعالى: {آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا} [الكهف: 65] ، وأني حظ للعموم من الرحمة بإيصالهم إلى الجنة كما قال تعالى في حديث رباني للجنة:"أنتِ رحمتي أرحم بك من عبادي من شاء"فيرحم بجنته من يشاء من عباده {أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ} [الأنعام: 54] ، يشير بقوله: {مِنكُمْ} إلى أن عامل السوء صنفان: صنف منكم أيها المهتدون المؤمنون، وصنف من غيركم وهم الكفار الضالون، والجهالة جهالتان: جهالة الضلالة وهي نتيجة إخطاء النور المرشش على الأرواح كما قال عليه صلى الله عليه وسلم:"فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطأه فقد ضل".
وجهالة الجهولية وهي التي جبل الإنسان عليها، كقوله تعالى {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72] ، فمن عمل من الكفار سوء بجهالة الضلالة فلا توبة له، كما قال تعالى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} [النساء: 18] ، إلا ومن عمل منكم، أي من المؤمنين المهتدين سوء من المعاصي بجهالة الجهولية المذكورة فيه {ثُمَّ تَابَ} [الأنعام: 54] ؛ لأنه أهل التوبة، كما قال تعالى: {وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [الأحزاب: 73] ؛ أي: رجع إلى الله بقدم السير {مِن بَعْدِهِ} [الأنعام: 54] ، من بعد إفساد استعداده الفطري بالسوء {وَأَصْلَحَ} [الأنعام: 54] ، الاستعداد بالأعمال الصالحات لقبول الفيض {فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأنعام: 54] ، يفيض عليه بمعرفته فيض الرحمة التي على نفسه، فافهم جيدًا.
ثم قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ} [الأنعام: 55] ؛ أي: كما بينا لك في هذه الآية أحوال المهتدين يبين لك أحوال الكافرين الضالين {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام: 55] ؛ أي: طريقهم إلى الجنة أو النار ليهلك من هلك عن بينته.
ثم أخبر عن طريق الكفار إلى النار بقوله تعالى: {قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ} [الأنعام: 56] ، إلى قوله: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ} [الأنعام: 58] ، الإشارة فيها أن {قُلْ} إنكم تعبدون من دون الله آلهة مثل الدنيا والنفس والشيطان، وتتبعون الهوى وهو يهدي بكم إلى الهاوية، و {إِنِّي نُهِيتُ} في الأزل إذ عصمت بإصابة النور المرشش أن أعبد الذين تعبدون من دون الله وتطلبونه، وقد أمرت في الأزل بقوله: {وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} [يس: 61] ، وبقوله: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99] ، وبقوله: {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ} [الأحزاب: 2] ، ف