ومنها ما أشار إليه، بقوله تعالى: {مَّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ} [الأنعام: 143] ، يعني: بهما الذكر والأنثى، {وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الأنعام: 143] ، {وَمِنَ الإِبْلِ اثْنَيْنِ} ، والضأن والمعز جنس واحد في الفرشية، كما أن الإبل والبقر جنس واحد في الحمولة، فيشير: بالضأن والمعز إلى الصفات البهيمية، وهي أربعة: اثنان منها بمثابة الذكور؛ وهما: صفة شهوة البطن، وشهوة الفرج، واثنين منهما بمثابة الأنثى؛ وهي: صفة حسن الخلق عند الاستمتاع بها، والتسليم عند تحمل الأذى وإصابة الخير منها، ما أشار إليها، بقوله تعالى: {وَمِنَ الإِبْلِ اثْنَيْنِ} [الأنعام: 144] ، أراد الذكر والأنثى، {وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ} [الأنعام: 144] ، أراد الذكر والأنثى، والإبل والبقر من جنس واحد، أراد في الحمولة، فيشير: بالإبل والبقر إلى الصفات الحيوانية، وهي أربعة: اثنان منها بمثابة الذكر؛ وهما: صفتا الظلومية والجهولية، واثنان منها بمثابة الأنثى؛ وهما: الحمولية والاستسلام، فهذه الصفات صار الإنسان حامل أعباء الأمانة التي أبت المكونات عن حملها أشفقن منها، وهي أيضًا حملة عرش القلب، كما أن الملائكة الذين يحملون فوقهم عرش ربك ثمانية، فافهم جيدًا.
ثم قال تعالى: {قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ} [الأنعام: 144] ؛ يعني: من بعد هذه الصفات {حَرَّمَ} [الأنعام: 144] ، أي: أمر الله فيها، ومحوها وترك استعمالها، كما هو مذهب الفلاسفة في نفي الصفات الحيوانية والبهيمية، {أَمِ الأُنْثَيَيْنِ} فما مر ذكرها {أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا} [الأنعام: 144] ، يعني: المتولدة من هذه الصفات الثمانية، عند استعمالها على قانون الشريعة ودعائم دقائق الطريقة في تزكيتها وتثبيتها على صراط مستقيم الاعتدال، {نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ} [الأنعام: 143] ، معقول، أو منقول، أو منظور، أو مشاهد مكشوف، {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الأنعام: 143] ، أيها المتفلسفة الظَّالُّون عن متابعة الأنبياء والأولياء والمرسلين.
ثم قال تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} [الأنعام: 144] ، أي: من الذين يدعون الحكمة، ويقولون: قد أغنانا الله تعالى عن متابعة الأنبياء، والأنبياء حكم، ونحن أيضًا حكمًا، {لِيُضِلَّ النَّاسَ} [الأنعام: 144] ، بهذه الشبهة وغيرها من الشبهات، {بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 144] ، أي: حكمة أتاهم الله من فضله، كما أتاها أنبياءه وأولياءه، {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 144] ، إلى طريق السداد وسبيل الرشاد، وهم في الضلالة دائمون، وعلى ظلم الإضلال قائمون.