{وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا} [الأنعام: 160] ، والسر فيه: إن السيئة بذر يذرع في أرض النفس والنفس خبيثة؛ لأنها أمَّارة بالسوء، والحسنة بذر يذرع في أرض القلب والقلب طيِّب؛ لأنه يذكر الله {أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28] ، وقد قال تعالى: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا} [الأعراف: 58] ، وأمَّا ما جاء في القرآن والحديث من تفاوت الجزاء للحسنات فاعلم أنه كما للأعداد أربع مراتب: آحاد وعشرات ومئات وألوف، وفي مرتبة الألوف ألف، فكذلك للإنسان أربع مراتب: النفس، والقلب، والروح، والسر، فالعمل الواحد في مرتبة النفس يكون واحد بعينه، كما قال تعالى: {وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} [الشورى: 40] ، إذ هي بمرتبة الآحاد، وفي مرتبة القلب يكون بعشر أمثالها؛ لأنه بمرتبة العشرات، وفي مرتبة الروح يكون بمائة؛ لأنه بمرتبة المئات، وفي مرتبة السر يكون بألف إلى أضعاف كثيرة بقدر صفاء السر وخلوص النية إلى ما لا يتناهى؛ لأنه منزلة الألوف، والله اعلم.
{وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [الأنعام: 160] ، المعنى: إن الله تعالى قد أحسن إليهم قبل أن يحسنوا بعشر حسنات شاملات للحسنات الكثيرة، فلا يظلمهم بعد أن أحسنوا، بل يضاعف حسناتهم يدل عليه قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 40] .
ثم أخبر عن الصراط المستقيم وأنه هو الدين القيم بقوله تعالى: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الأنعام: 161] ، الإشارة فيها: إن الإنسان لمَّا فارق غيب الغيب، وإن شاءته القدرة في عالم الأرواح فقد الحق عند وجدان الوجود، فلما أراد إلى أسفل سافلين القالب ضل عن سواء السبيل إلى أن أدركته العناية وساقته الهداية بجذبة: {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ} [الفجر: 28] ، فيهديه ربه من تيه الضلالة والغواية إلى صراط مستقيم الدين القويم، كما قال تعالى لنبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم: قل: يعني؛ أخبر الخلق أحوالك؛ ليعرفوك فيتبعوك عليه، أي؛ هداني بعد أن وجدني ضالًا عنه في تيه البشرية إلى صراط مستقيم إليه، دل عليه قوله تعالى: {وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَى} [الضحى: 7] ، واعني بالصراط المستقيم: {دِينًا قِيَمًا} [الأنعام: 161] ، مبنيًا على قرآن عجب يهدي إلى الرشد عند التمسك بحبله يوصل العبد إلى ربه.
{مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [الأنعام: 161] ، أي: ذاهب إلى الحق؛ لقوله تعالى: {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الصافات: 99] ، {وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 161] ، الذين يطلبون مع الله شيئًا آخر ويطلبون منه غيره، {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي} [الأنعام: 162] ، أي: سيرى على منهاج الصلاة؛ وهي معراج إلى الله وذبيحة نفسي لله، {وَمَحْيَايَ} [الأنعام: 162] ، أي: حياة قلبي وروحي، {وَمَمَاتِي} [الأنعام: 162] أي: موت نفسي، {لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162] ، لطلب الحق تعالى والوصول إليه، {لاَ شَرِيكَ لَهُ} [الأنعام: 163] ، في الطلب من مطلوب سواه، {وَبِذلِكَ أُمِرْتُ} [الأنعام: 163] ، أي: ليس هذا الطلب والقصد إلى الله من نظري وعقلي وطبعي؛ إنما هو من فضل الله ورحمته وهدايته وكمال عنايته إذ أوحى إلي وقال: