فهرس الكتاب

الصفحة 528 من 1648

والثالث: أن الطين مركَّب من الماء والتراب، والماء مطية الحياة كقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: 30] ، والتراب مطية النفس النامية، فعند أزدواجهما تتولد النفس الحيوانية؛ وهو الروح الحيواني وهو مطية الروح الإنساني للمناسبة الزوجية بينهما، وفي النار ضد هذا من الإهلاك والإفساد، ثم تقول: شرف سجود آدم وفضله على الساجدين لم يكن لمجرد خواص الطبيعة، وإن شرف طبيعته لشرف التخمير من غير واسطة لقول: {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] ، ولقوله صلى الله عليه وسلم:"خمر طينة بيده أربعين صباحًا".

وإنما كانت فضيلته عليهم لاختصاصه بنفخ الروح للشرف، بالإضافة إلى الحضرة فيه من غير واسطة، كما قال تعالى: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} [الحجر: 29] ، ولاختصاصه بالتجلي فيه عند نفخ الروح كما قال صلى الله عليه وسلم:"إن الله خلق آدم فتجلى فيه"ولهذا السر ما أمر الملائكة بالسجود بعد تسوية قالب آدم من الطين بل أمرهم بالسجود بعد نفخ الروح فيه كما قال تعالى: {إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} [ص: 71 - 72] ، وذلك؛ لأن آدم عليه السلام بعد أن نفخ فيه الروح صار مستعدًا للتجلي؛ لما حصل فيه من لطافة الروح ونوارنيته التي يستحق بها التجلي ومن إمساك الطين الذي يقبل الفبيض الإلهي ويمسكه عند التجلي فاستحق سجود الملائكة؛ لأنه صار كعبة حقيقة تفهم - إن شاء الله - وتنفع، فلا تكون كالشيطان أعمى عند مطالعة هذه الحقائق، والمتكبر عن الإيمان بها فتخرج من جنة هذه المعارف وروضة هذه العواطف وتخاطب أيضًا بقوله تعالى: {قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ} [الأعراف: 13] ، وإنما لزمه الهبوط والخروج من معارف العز ومنازلة؛ لأنه اعتصم بيد الإباء والاستكبار في جبل الأنانية بقوة الخيرية، فاستخرد وهبط من عالم العلو إلى عالم السفل، وصار من الصاغرين بعد أن كان من الكافرين، فلما ابتلي بالقضاء وطرد من الجوار أخذ في النوح وألبس من الروح ورضي بالعباد واطمأن بالحياة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت