فهرس الكتاب

الصفحة 569 من 1648

"ما خلق الله من بني آدم من بشر إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه"وبالأصبعين يشير إلى صفات الجمال والجلال، وليس لغير الإنسان قلب مخصوص بهذه الكرامة، وإقامة القلب في أن يجعله مرآة صفات الجمال فيكون الغالب عليه الشوق والمحبة لطفًا ورحمة، وإزاغته في أن يجعله مرآة صفات الجلال فيكون الغالب عليه الحرص على الدنيا والشهوة قهرًا وعزة، فالنكتة فيه أن قلب موسى عليه السلام لما كان مخصوصًا بالاصطفاء للرسالة والكلام دون القوم كان سؤاله للرؤية شعلة نار المحبة مقرونًا بحفظ الأدب على بساط القرب بقوله: {قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: 143] قدم عزة الربوبية وأظهر ذلة العبودية وكان سؤال القوم من القلوب الساهية اللاهية، فإن نار الشوق تصاعدت بسوء الأدب، فقالوا: {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} [البقرة: 55] قدموا الجحود والإنكار وأخروا طلب الرؤية جهارًا {فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ} [البقرة: 55] بظلمهم، فشتان بين صعقة موسى عليه السلام وبين صعقة قومه، فأن صعقته كانت صعقة اللطف مع تجلي الربوبية، وإن صعقتهم كان صعقة القهر عند إظهار العزة والعظمة، ولمَّا كان موسى عليه السلام في مقام التوحيد ثابتًا كان ينظر بنور الوحدة فيرى الأشياء كلها من عند الله تعالى، فرأى سفاهة القوم وما صدر منهم من آثار صفات قهره فتنة واختيارًا له، فلما دارت كؤوس شراب المكالمات وسكر بأقداح المناجاة زل قدمه على بساط الانبساط فقال: {إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ} [الأعراف: 155] ؛ أي: تزيغ قلب من تشاء بإصبع صفة القهر.

{وَتَهْدِي مَن تَشَآءُ} [الأعراف: 155] ؛ أي: تقيم قلب من تشاء بأصبع صفة اللطف؛ ليرى جمالك في مرآة القلب، {أَنتَ وَلِيُّنَا} [الأعراف: 155] المتولي لأمورنا والناظر في هدايتنا، {فَاغْفِرْ لَنَا} [الأعراف: 155] ما صدر منا، {وَارْحَمْنَا} [الأعراف: 155] بنعمة الرؤية التي ساكناها، {وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ} [الأعراف: 155] ؛ أي: خير من يستر على ذنب المذنبين؛ يعني أنهم يسترون الذنب ولا يعطون سؤالهم، وأنت الذي تستر الذنب وتبدل السيئات بالحسنات وتعطي سؤال أهل الزلات، {وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً} [الأعراف: 156] بعد حسنة الرؤية كما كتبت لمحمد صلى الله عليه وسلم ولخواص أمته هذه الحسنة في الدنيا.

{وَفِي الْآخِرَةِ} [الأعراف: 156] ؛ يعني: خصنا بهذه الفضيلة في الدنيا والآخرة {إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ} [الأعراف: 156] ؛ أي: رجعنا إليك في طلب هذه الفضيلة في السر لا بالعلانية وأنت الذي تعلم السر وأخفى؛ فأجابهم الله تعالى سرًا بسر وإضمارًا بإضمار، {قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ} [الأعراف: 156] ؛ أي: بصفة قهري آخذ من أشاء، وبقراءة من قرأ أساء من الإساءة؛ أي: من أساء في الأدب عند سؤال الرؤية، قالوا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت