قيل: دُخِلَ على الشبلي - رحمه الله - في وقت وفاته وهو يقول:"يجوز يجوز"، فقيل له: ما معنى قولك:"يجوز"؟
فقال: خلق الله الروح والنفس وأشرك بين الروح والنفس فعملا واتجرا سنين كثيرة فحوسبا؛ فإذا هما قد خسروا وليس معهما ربح فقد عزما على الافتراق، وأنا أقول: شركة لا ربح فيها يجوز أن يقع بين الشريكين افتراق.
ثم أخبر عن مغفرته مع أهل رحمته بقوله: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38] إلى قوله: {وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الأنفال: 40] الإشارة: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا} من الأرواح والقلوب بأن ستروا النور الروحاني بظلمات الصفات النفسانية الحيوانية السبعية في اتباع الهوى واتباع الدين بالدنيا، {إِن يَنتَهُواْ} عن اتباع الهوى ومطاوعة النفس ومخالفة الشرع، {يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ} أي: تستر تلك الظلمات بنور المغفرة وهو النور الرباني الذي يمحو بالظلمات الإنسانية، {وَإِنْ يَعُودُواْ} [الأنفال: 38] لمتابعة الهوى ومخالفة الشرع، {فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ} [الأنفال: 38] من الأنبياء والأولياء في أن اتبعوا الهوى يضلهم عن سبيل المولى، كما قال تعالى لداود عليه السلام: {وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: 26] .
{وَقَاتِلُوهُمْ} [الأنفال: 39] يعني: قاتلوا كفار النفوس والهوى بسيف الصدق تحت راية الشريعة في جهاد الطريقة، {حَتَّى لاَ تَكُونَ} [الأنفال: 39] النفس والهوى عند الاستيلاء وغلبات صفاتها، {فِتْنَةٌ} [الأنفال: 39] آفة مانعة لكم عن الوصول إلى عالم الحقيقة، {وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله} [الأنفال: 39] ببذل الوجود وفقد الوجود لنيل الجود، {فَإِنِ انْتَهَوْاْ} [الأنفال: 39] النفوس عن معاملاتها، وتبدلت عن أوصافها، وطاوعت القلوب والأرواح، وصارت مأمورة مطمئنة تحت الأحكام، {فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ} [الأنفال: 39] في عبوديته وصدق طلبه، {بَصِيرٌ} [الأنفال: 39] لا يخفى عليه نقير ولا قطمير فيجازيهم على قدر مساعيهم.
{وَإِن تَوَلَّوْاْ} [الأنفال: 40] أي: أعرضوا النفوس عن الحقوق، وأقبلوا إلى الشهوات والحظوظ، {فَاعْلَمُوا} [الأنفال: 40] أيها القلوب والأرواح، {أَنَّ اللَّهَ مَوْلاَكُمْ} [الأنفال: 40] في الهداية وناصركم على قهر النفوس وقمع الهوى، {نِعْمَ الْمَوْلَى} [الأنفال: 40] هو مولاكم لتهتدوا به، {وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الأنفال: 40] في دفع ما يقطعكم عنه، وناصركم في الوصول إليه.