فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 1648

وأما معنى؛ فليس في العالم مصباح يستضيء بنار نور الله فيظهر أنوا صفاته في الأرض خلافة عنه إلا مصباح الإنسان، فإنه مستعد لقبول فيض نور الله تعالى لأنه أعطى مصباح السر في زجاجة القلب والزجاجة في مشكاة الجسد، وفي زجاجة القلب زيت الروح يكاد زيتها يضيء من صفات الله تعالى العقل، ولو لم تمسسه نار النور في مصباح السر فتلية الخفلي.

فإذا أراد الله تعالى أن يجعل في الأرض خليفة يتجلى بنور جماله لمصباح السر الإنساني فيهدي لنوره فتيله حتى من يشاء، فيستنير مصباحه بنار نور الله تعالى فهو على نور من ربه، فيظهر خليفة الله في أرضه فتظهر أنوار صفاته فيه هذا العالم فيأتي بالعدل والإحسان والرأفة والرحمة لمستحقها وبالعزة والقهر والغضب والانتقام لمستحقها كما قال تعالى: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: 26] .

وقال لحبيبه صلى الله عليه وسلم: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 128] ، وقال في حقه وحق المؤمنين: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] ، ولا تظهر هذه الصفات على الحيوان ولا على الملك، وناهيك عن هذا حالة هاروت وماروت ولما أنكروا على ذرية آدم عليه السلام اتباع الهوى والقتل والظلم والفساد، قالوا: لو كنا بدلًا منهم خلفاء الأرض ما كنا نفعل مثل ما يفعلون، فالله تعالى أنزلها الأرض وألبس عليهما لباس البشرية، وأمرهما أن يحكما بين الناس بالحق ونهاهما عن الشرك والقتل بغير الحق، والزنا وشرب الخمر.

قال قتادة: ما مر عليهما شهر حتى افتتنا فشربا الخمر، وسفكا الدم، وزنيا، وقتلا، وسجدا للصنم. فثبت أن الإنسان مخصوص بالخلافة وقبول فيض نور الله تعالى، فلو كان للملائكة هذه الخصوصية لم تفتتن بهذه الأوصاف المذمومة الحيوانية والسبعية، كما كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومين عن مثل هذه الأوصاف والأخلاق وكانت لازمة لصفاتهم البشرية؛ لكن بنور التجلي تنور مصباح قلوبهم واستنارت بنور قلوبهم جميع مشكات جسدهم ظاهرًا وباطنًا، وأشرقت الأرض بنور ربها فلم تبق لظلمات هذه الصفات مجالًا للظهور مع استعلاء النور. فالملائكة من بدء الأمر لما نظروا إلى جسد آدم عليه السلام شاهدوا ظلمات البشرية والحيوانية والسبعية في ملكوت الجسد بالنظر الملكوتي الملكي ولم تكن تلك الصفات غائبة عن نظرهم.

{قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} [البقرة: 30] ، فقولهم هذا يدل على معان مختلفة؛ أن الله تعالى أنطقهم بهذا القول ليتحقق لنا أن هذه الصفات الذميمة في طينتنا مودعة في جبلتنا مركبة فلا نأمن عن مكر أنفسنا الأمارة بالسوء ولا نعتمد عليها وما نبرؤها، كما قال تعالى حكاية عن قول يوسف عليه السلام: {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت