فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 1648

{أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ} [البقرة: 247] ، فأجابهم الله تعالى بأن استحقاق الملك ليس بالمال إنما هو بالاصطفاء والبسطة في العلم والجسم، وقال {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ} [البقرة: 247] .

فكذلك هاهنا أجابهم الله تعالى بقوله: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] لأنه فضله بقوله: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ} [آل عمران: 33] ، وبقوله: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَآءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31] ، وبقوله: {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] ليعلم أن استعداد تلك الخلافة واستحقاقها ليس بكثرة الطاعة، ولكنه مالك الملك والملكوت يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء، فلما تفاخرت الملائكة بطاعتهم على آدم عليه السلام من الله تعالى على آدم بعلم الأسماء ليعلموا أنهم أهل الطاعة والخدمة، فإنه أهل الفضل والمنة، وأين أهل الخدمة من أهل المنة، فبتفاخرهم على آدم صاروا ساجدين له ليعلموا أن الله تعالى مستغن عن طاعتهم وبمنته على آدم صار مسجدًا لهم ليعلموا {وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} [الحديد: 29] وفي قوله تعالى: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] ، إشارة أخرى إلى أنه كما يدل على أن لآدم عليه السلام فضائل لا يعلمها الملائكة فكذلك رذائل أوصاف مذمومة لا يعلمها الملائكة؛ لأنهم لا يعلمون منه أوصافًا مذمومة يعني من نتائج النفس الأمارة عند نتائج نظر الروح إلى النفس حاله استعمال الشرع من العجب والرياء والسمعة والخسران واشتراء الحياة الدنيا بالآخرة والابتداع والزيغوغة واعتقاد السوء وغير ذلك مما لا يشاركه الحيوانات.

ثم أخبر عن فضله مع آدم عليه السلام بقوله: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَآءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31] ، إلى قوله: {وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 33] ، والإشارة في تحقيق الآية أن الله تعالى فضل آدم على الملائكة بفضائل جمة؛ منها: اختصاصه بتعليم الأسماء كلها ذكر الأسماء بالألف واللام وهي لاستغراق الجنس فيقتضي أن لا يكون شيء إلا وآدم يعلم اسمه وقوله: {كُلَّهَا} أي: بكليتها، وهي حقائق بالمسميات ومعناها.

وعلم آدم الأسماء والمسميات في حقائقها؛ مثاله أن الله تعالى علمك اسم الغنم فما اقتصر منه على جزء هذا الاسم؛ بل علمك أسماءه كلها؛ بأن علمك ببصرك اسم لون أبيض أم أسود، وعلمك اسم صوته بسمعك، واسم ريحه بشمك، واسم طعمه بذوقك، واسم لينه وخشونته بلمستك، وكذلك جميع أسماء صفاته وأخلاقه، وخواص منافعه ومضاره، علمك بقولك وفعلك، وعملك بإيمانك اسم خلقه، فلكل جزء من أجزائه اسم ولون وطعم ورائحة وصفة وخاصة وماهية وحقيقة أخرى لا يعلمها إلا الإنسان؛ لأنه خلق في أحسن تقويم لإدراك صورة الأشياء ومعانيها وحقائقها، وإن له بحسب كل شيء عن الجملة المذكورة آلة مدركة لذلك الشيء كما هي، وليس للملائكة هذه المدركات كلها إلا ما يتعلق بالقوة المدركة العقلية الملكية؛ فلهذا لما قال: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَؤُلَاءِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 31] أي: إن كان لك على آدم فضيلة بالتسبيح والتقديس {قَالُواْ سُبْحَانَكَ} [البقرة: 32] ، أقروا له بالفخر والاعتذار عن الاعتراض وتنزيهًا لله أن يفرض في حكم من أحكامه {لاَ عِلْمَ لَنَآ} [البقرة: 32] ، بالأسماء وحقائقها {إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ} [البقرة: 32] ، مما أعطيتنا من النظر الملكوتي {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ} [البقرة: 32] ، الذي أحاط بكل شيء علمًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت