"الشيخ في قومه كالنبي في أمته"فأمر بالجهاد مع كافر النفس وصفاتها بسيف الصدق، فجهاد النفوس بمنعها عن شهواتها واستعمالها في حمل الشريعة على اخلاف الطبيعة، فالنفوس بعضها كفار لم تسلم أي: لم يستسلموا للمشايخ في تربيتها في هداها بالدعوى إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، وبعضها المنافقون وهم الذين أدعوا الإرادة والاستسلام إلى المشايخ في الظاهر، ولم يوفوا بما عاهدوا عليه فجهادها بإلزامها مقاساة شدائد الرياضات في التزكية على متمثل أمر الشيخ ونواهيه ولو يرى عليها الإباء والامتناع فلا يفنيها إلا التشديد والغلظة.
كما قال تعالى: {وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 73] فالواجب عليه أن يبالغ في مخالفاتها ومؤاخذتها في أحكام الطريقة، فإن فاءت إلى أمر الله فهو المراد وإلا استوجبت لما خلقت له، {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} [التوبة: 73] أي: مرجعهم جهنم البعد ونار القطيعة، {وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [التوبة: 73] مرجعهم.
وفي قوله تعالى: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ} [التوبة: 74] إشارة إلى أحوال بعض المريدين عند استيلاء النفوس وغلبة هواها، وظفر الشيطان أن ينكروا على مشايخهم ويقولوا في حقهم كلمة الكفر كلمة الإنكار والاعتراض، ويعرضوا عنهم بقلوبهم بعد الإرادة والاستسلام، فإذا وقف المشايخ عن أحوال ضمائرهم وعلل الإرادة في سرائرهم يحلفون بالله لهم ما قالوا وما أنكروا.
{وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ} [التوبة: 74] يعني: وهمَّ بعضهم أن يثبت له مرتبة الشيخوخة قبل أوانها، ويظهر الدعوى إلى نفسه وإن لم ينلها، {وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ} [التوبة: 74] وما أنكروا على الشيخ وخرجوا عن أمره إلا أن الشيخ نبأهم بلبان فضل الله عن حكمة الولاية؛ ليروا آثار الرشد على أنفسهم، فلم يحتملوا الضيق حوصلة الهمة، فزين لهم الشيطان سوء أعمالهم فأصمهم بذلك وأعمى أبصارهم.
{فَإِن يَتُوبُواْ} [التوبة: 74] يرجعوا إلى ولاية الشيخ بطريق الالتجاء {يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ} [التوبة: 74] بأن يتخلصوا من غيره الولاية وردها فإنها مهلكة ويتمسكوا بحبل الولاية فإنها منجية {وَإِن يَتَوَلَّوْا} [التوبة: 74] أي: يعرضوا عن ولاية الشيخ {يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [التوبة: 74] بعذاب رد الولاية، فإن مرتد الطريقة أعظم ذنبًا من مرتد الشريعة.
قال الجنيد رحمه الله: لو أقبل صديق على الله ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة فإن ما فاته أكثر مما ناله، فأما عذابه في الدنيا فبسلب الصدق والرد على باب الطلب وإرخاء الحجاب وذله وتقوية الهوى وتبديل الإخلاص بالرياء، والحرص على الدنيا وطلب الرفعة والجاه، وأما عذابه في الآخرة فباشتعال نيران الحسرة والندامة على قلبه المعذب بنار القطيعة وهي نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة.
{وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} [التوبة: 74] يشير إلى أن من ابتلي برد ولاية شيخ كامل ولو امتلأت الأرض بالمشايخ وأرباب الولاية وهو يتمسك بذيل إرادتهم غير أن شيخه رده لا يمكن لأحدهم إعانته وإخراجه من ورطة الرد إلا ما شاء الله تعالى.