ثم أخبر عن السابقين الصادقين العاشقين بقوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ} [التوبة: 100] أي: الذين سبقت لهم العناية الأزلية كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الْحُسْنَى} [الأنبياء: 101] الأولون في سبق العناية لهم أيضًا، والسابقون في الخروج من العدم، الأولون عند الخروج، وهم أهل الصف الأول في عالم الأرواح؛ إذ كانت الأرواح صفوفًا كالجنود المجندة، وأيضًا السابقون في الخروج عن صلب آدم عليه السلام عند أخذ ربهم وعند سماع خطاب ربهم حين قال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] والسابقون الأولون في جواب: {بَلَى} [الأعراف: 172] .
وأيضًا السابقون الأولون في تجلي ربهم بصفة ربوبيته لهم حتى عرفوه بهذه الصفة فأجابوه بقولهم: {بَلَى} فلهم السبق في استماع الخطاب والرؤية والمعرفة والإقرار والإجابة، وأيضًا السابقون في استحقاق المحبة نداء اختصاصهم بتشريف {يُحِبُّهُمْ} في الأزل، الأولون بأداء حق المحبة في سر {وَيُحِبُّونَهُ} ، وأيضًا السابقون الأولون في تجديد عهد المحبة عند تجلي صفة الربوبية يوم الميثاق، وأيضًا السابقون الأولون عند تخمر طينة آدم بيده أربعين صباحًا ومماساة الحضرة الربوبية على أقرانهم الأولون بالوصال إلى سرادقات الجلال، وأيضًا السابقون في مقامات الوصول عن أقرانهم الأولون من الذين وصلواتك المقامات.
واعلم أن هذه السبق مخصوص بالنبي صلى الله عليه وسلم وأمته كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم:"نحن الآخرون السابقون"أي: الآخرون خروجًا في الصورة، السابقون دخولًا في المقامات المذكورة كلها، قوله تعالى: {مِنَ الْمُهَاجِرِينَ} [التوبة: 100] أي: الذي هاجروا عن أوطان البشرية إلى أوطان الروحانية، وعن الروحانية إلى كمال الإنسانية، وعن الإنسانية إلى الصفات الربانية، وعن الناسوتية إلى اللاهوتية، {وَالأَنْصَارِ} [التوبة: 100] أي: الذين كانوا أنصار الله في طلب الله مع الإخوان في الله.
{وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ} [التوبة: 100] أي: الذين اتبعوا أهل السبق وبذلوا جهدهم في الوصول إليهم والإلحاق بهم بقدر الإمكان، كما كان حال أبي بكر رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم في الطلب بالمسابقة معه قبل بعثته حيث قال:"كنت أنا وأبو بكر كفرسي رهان"كما قال تعالى: {أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُم} [الطور: 21] ، وكقول يوسف عليه السلام: {وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف: 101] يعني: أنا متابع لهم فالحقني بهم.
{رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ} [التوبة: 100] عن السابقين في الأزل؛ إذ هم السابقون بنيل الرضوان فرضي عنهم بأن يكونوا من أهل محبته وقربته والوصول إليه فأعطاهم ما به رضي الله عنهم وارتضى لهم بنيل ما أعطاهم وارتضى لهم من الكمالات، ورضي أيضًا عنهم بإعطاء حق الطلب بما ارتضاه لهم ببذل الجهود في الصبر على الصراط المستقيم ورضي عن المتابعين لهم ببذل التوفيق والاتباع السابقين إذ اتبعوهم بالإحسان والإمكان وحسب الاستعداد.