{وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ} [يس: 10] وداعيًا إلى الله بإذنه.
وهذه الدعوى إلى الله تعالى مخصوص بها إليه صلى الله عليه وسلم وأمته، وهذه من حملة القدم الصادقة لهذه الأمة عند ربهم {وَسِرَاجًا مُّنِيرًا} [الأحزاب: 46] أي: ليهتدوا بك إلى الله؛ المعنى: إن محمدًا صلى الله عليه وسلم كان مخاطبًا بالنبوة في عالم الأرواح؛ ولهذا قال:"كنت نبيًا وآدم بين الماء والطين"والتبشير والإنذار والدعوة والأرواح كانت مستمعة بخطاب الحق، كما سمعوا خطاب: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] ، والآن في عالم الصورة من كامن المؤمنين المقبولين لا يتعجب من تجديد ذلك الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن روحه من الذاكرين المقربين لا من الناسين المنكرين؛ ولكن من كان من الكافرين المردودين، فقد نسى روحه ذلك العهد فلا بدَّ له من التعجب والإنكار.
{قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ} [يونس: 2] المسحورون فقد سحرهم سحرة صفات فرعون النفس، فجعلوهم {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 171] .
ثم أمر عن الانتفاع بربويته مودعًا في عبوديته بقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [يونس: 3] الآيتين: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي} أي: مربيكم ومدر أموركم الذي {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} في عالم الصورة وهو العالم الأكبر، {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} من الأنواع ألست وهي: الأفلاك والكواكب والعناصر والحيوان والنبات والجماد.
{ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [يونس: 3] والعرش جسماني روحاني ذو جهتين: جهة منة تلي العالم الروحاني، وجهة منه تلي العالم الجسماني {يُدَبِّرُ الأَمْرَ} [يونس: 3] لفيضان فيض الرحمانية على العرش، فإنه أول قابض لفيض الرحمانية، وهذا أحد تفاسير {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] ، ثم من العرش ينقسم الفيض، فإنه مقسم الفيض فيجري في مجاري جعلها الله من العرش إلى ما دونه من المكونات، وأنواع المخلوقات فبذلك الفيض تدور الأفلاك كما تدور الرحى بالماء به تؤثر الكواكب، وبه تولد العناصر وتظهر خواصه، وبه يتولد الحيوان ذا حس وحركة، وبه ينبت النبات ذا حركة بلا حس، وبه تغير المعادن بلا حس ولا حركة، وفيه إشارة أخرى.
{إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي} يربيكم هو الذي {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ} سماوات أرواحكم {وَالْأَرْضَ} أرض نفوسكم في عالم المعنى، وهو العالم الأصغر {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} أي: من ستة أنواع وهي الروح والقلب والعقل والنفس التي هي الروح الحيوانية والنفس النباتية التي هي النامية وخواص المعادن، وهي في الإنسان قوة قابلة لتغير الأحوال والأوصاف والألوان.
{ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} على عرش القلب {يُدَبِّرُ الأَمْرَ} أمر السعادة والشقاوة ويهيئ أسبابهما من الأخلاق والأحوال والأعمال والأفعال والأقوال والحركات والسكنات، وإلى هذا يشير قوله: