{وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} [الحجر: 29] .
ودعاهم من الوجود إلى العدم، والعلم بالجذبة وهي قوله تعالى: {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ} [الفجر: 28] ولما دعا النبي صلى الله عليه وسلم بالجذبة إلى علم الأزلي الأبدي، قال: قد علمت ما كان وسيكون؛ وذلك لأنه صار عالمًا بعلم الله لا بعلم نفسه وهو قوله تعالى: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} [النساء: 113] وإنما علمه ذلك العلم حين قال له: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ} [محمد: 19] أي: فاعلم بعلم الله الذي دعيت بالجذبة إليه لا إله في الوجود إلا الله، فإن العلم الإلهي محيط بالوجود كله كما قال: {قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12] فأنت بعلمه محيط بالوجود كله، فتعلم حقيقة أن ليس في الوجود إله غير الله.
ثم قال تعالى: {وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [يونس: 25] فلمَّا جعل الله دعوة الخلق من العلم إلى العمل، ومن الوجود إلى العدم، والعلم عامة جعل الهداية بالمشيئة إلى الأزل، والعلم وهو الصراط المستقيم خاصة يعني: هو يهديهم بالجذبة الكاملة إلى علم القديم بمشيئة الأزلية خاصة، وهذا مقام السير في الله بالله.
{لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26] أي: للذين عاملوا الله على مشاهدة، فإن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه {الْحُسْنَى} وهي شواهد الحق والنظر إليه وزيادة {وَزِيَادَةٌ} هي ما زاد على النظر بالوصول إلى العلم الأزلي مجذوبًا من أنانيته إلى هويته وإفناء الناسوتية في اللاهوتية، {وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ} [يونس: 26] لا يصيبهم غبار الحجاب.
{وَلاَ ذِلَّةٌ} [يونس: 26] أ ي: ولا ذلة وجود يقتضي الاثنينية، {َأُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ} [يونس: 26] جنة السير في الله، {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [يونس: 26] دائمون في السير بجذبات العناية، {وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَّيِّئَاتِ} [يونس: 27] أي: اكتسبوا بأعمالهم السوء في طلب الدنيا وشهواتها ولذاتها، وارتكاب ما حرم الله عليهم ونهاهم عنه، وترك ما أمرهم الله به من الفرائض والانقطاع في طريق الله، والقعود عن الصراط المستقيم الذي هو إلى علم الله.
{جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا} [يونس: 27] أي: جزاؤهم الخذلان والإهمال في تلك الورطة؛ ليهلكوا عن بينة اكتسابهم بالتوحيد إلى الدنيا، وإعراضهم عن المولى، {وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} [يونس: 27] البعد والحجاب والطرد عن الباب، {مَّا لَهُمْ مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} [يونس: 27] أي: جذاب يمنعهم عن الخوف في الدركات، {كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ الْلَّيْلِ مُظْلِمًا} [يونس: 27] إذ توجهوا إلى السفليات، وفي ظلمانيات صفات الحيوانية والسبعية والشيطانية ظلمات بعضها في بعض، {َأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [يونس: 27] معذبون بدوام البعد وذل الحجاب.