فهرس الكتاب

الصفحة 698 من 1648

{وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ} [هود: 7] يعني: لئن قلت للأشقياء موتوا عن الطبيعة باستعمال الشريعة ومزاولة الطريقة؛ لتحيوا بالحقيقة، فإن الحياة الحقيقية يكون بعد الموت عن الحياة الطبيعية، {لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} [هود: 7] أي: ستروا استعدادهم الفطري يتعلق المكونات ومحبتها وهم الأشقياء، {إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} [هود: 7] كلام مموه لا أصل له، {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ} [هود: 8] أي: ذوق العذاب وهو ألم البعد؛ لأن العذاب واقع لهم، ولكن لا يذوقون ألمه ولهذا يقال يوم القيامة: {فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} [الأحقاف: 34] .

{إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ} [هود: 8] أي: إلى حين ظهور ذوق العذاب للأمة المعدودة من الأشقياء ليكونوا في جملتهم، {لَّيَقُولُنَّ} [هود: 8] الأشقياء من غاية غفلتهم ونهاية شقوتهم، {مَا يَحْبِسُهُ} [هود: 8] أي: ما يحبس العذاب عنا، {أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ} [هود: 8] أي: عذاب البعد حين يأتي كل واحد من الأشقياء باستجلاب ترك المأمورات، واستجلاب إتيان المنهيات لا يفارقهم، {وَحَاقَ بِهِم} [هود: 8] أي: لزمهم ووجب عليهم.

{مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} [هود: 8] جزاء ما كانوا يظنون بالله ظن السوء ويتكلمون به استهزاء، فإن جزاء أعمال العباد من الخير والشر تصل إلى القال في الحال بتصفية القلب عن صد الحجب، والأخلاق الذميمة النفسانية، وتحليته بأنوار شواهد الحق، والأخلاق الحميدة الروحانية والربانية، ولكن لا يرى في الدنيا بعين اليقين وحق اليقين، وإنما يرى في الآخرة إذ قيل لهم: {فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق: 22] ، {وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 8] .

ثم أخبر عن غفلة الإنسان في الدنيا عن الخير والشر والنفع والضر، ولقوله تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً} [هود: 9] إلى قوله: {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [هود: 11] ، {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً} أي: أذقناهم بعض المقامات من قربنا، وبعض المشاهدات من شواهدنا، {ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ} [هود: 9] بشؤم بعض خطاياه وزلاته ابتلاءً وامتحانًا غيرة وعزة لئلا يجترئ في سوء الأدب، {إِنَّهُ لَيَئُوسٌ} [هود: 9] أي: من خصوصية الإنسان أن ييأس من روح الله ويقنط من رحمته جهلًا منه عند ابتلاءه بإصابة ذنب وخطأ، {كَفُورٌ} [هود: 9] لنعمتنا؛ وذلك لأن من رحمة الله ونعمة على عبده أنه إذا أسرف على نفسه، ثم تاب ورجع إلى ربه وجده غفورًا رحيمًا، فمن ابتلي بذل الحجاب والرد عن الباب كان من شرط عبوديته أن لا ييأس من روح الله ولا يكفر بنعمته كأبليس، بل يرجو رحمة ربه، وتاب من خطاياه، واستغفر من ذنوبه، ويرجع إلى ربه معترفًا بظلمة على نفسه كآدم عليه السلام ليجتبيه ربه فيتوب عليه ويهديه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت