فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 1648

ثم أخبر عن ذلتهما بعد عزتهما بقوله تعالى: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} [البقرة: 36] ، والإشارة فيها أن آدم عليه السلام أصبح محمول الغناية، مسجود الملائكة، متوجًا بتاج الكرامة، ملبسًا بلباس السعادة، في وسطه نطاق القربة، وفي جيده طوق الزلفة، لا أحد فوقه في الرتبة ولا شخص معه في الرفعة، يتوالى عليه حلاوة النداء كل لحظة، فلما جاء القضاء ضاق الفضاء فانقلب العصا، فلم يمس حتى نزع لباسه، وسلب استئناسه تدفعه الملائكة بعنف أن اخرج بغير مكث ولا بحث {فَأَزَلَّهُمَا} يد التقدير بحسن التدبير {الشَّيْطَانُ عَنْهَا} أي: عن تلك العزة والقرابة، وكان الشيطان المسكين في هذا الأمر كذئب يوسف لما اخذ بالجناية ولطخ فمه بدم كذب، وإخوته قد ألقوه في غيابة الجب، فأخذ الشيطان لعدم العناية ولطخ خرطومه بدم نصح كذب {فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} من السلامة إلى الملامة، ومن الفرح إلى الترح، ومن النعمة إلى النقمة، ومن المحبة إلى المحنة، ومن القربة إلى الغربة، ومن الألفة إلى الكلفة، ومن الوصلة إلى الفرقة، وكان قبل أكل الشجرة مستأنسًا بكل بشيء ومؤانسًا مع كل أحد، ولذلك سمي إنسانًا، فلما ذاق شجر المحبة استوحش من كل شيء، واتخذ كل أحد عدوًا، وهكذا شرط صحة المحبة عداوة ما سوى المحبوب، فكما أن ذات المحبوب لا تقبل الشركة في التعبد كذا لا تقبل الشركة في المحبة، ولهذا قال: {وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [البقرة: 36] ، وكذا كان حال الخيل في البداية يتعلق بالكواكب والقمر والشمس، ويقول: {هَذَا رَبِّي} [الأنعام: 76] ، فلما ذاق شجرة الخلة قال: {لا أُحِبُّ الآفِلِينَ} [الأنعام: 76] ، {إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 78] ، و {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 77] .

فما استقرت حبة المحبة كالبذر في قلب آدم وجعل الله شخص آدم مستقر قلبه، وجعل الأرض شخصه وقال: {وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [البقرة: 36] أي: التمتع والانتفاع ببذر المحبة بماء الطاعة والعبودية إلى حين إدراك ثمرة المعرفة؛ كقوله تعالى: {تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} [إبراهيم: 25] .

وعلى التحقيق ما كانت ثمرة شجرة المخلوقات إلا المعرفة؛ لقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذرايات: 56] ، أي: ليعرفون، ثمرة المعرفة - وإن ظهرت على أغصان العبادة - ولكن لا تنبت إلا من حبة المحبة كما أخبر النبي عليه السلام:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت