قوله: {قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [هود: 43] يعني: إذا نبع ماء الشهوات من أرض البشرية ونزول ماء ملاذ الدنيا وفتنها من سماء القضاء لا يتخلص منه بسفينة الشريعة فلا عاصم منه غيرها، وذلك قوله: {إِلاَّ مَن رَّحِمَ} [هود: 43] أي: رحمه الله بالتوفيق للاعتصام بسفينة الشريعة، {وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ} [هود: 43] أي: بين كنعان النفس المعتصم بجبل العقل وبين العقل موج الشهوات النفسانية الحيوانية وفتن زخارف الدنيا، {فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ} [هود: 43] يعني: كل نفس لا تعتصم بسفينة الشريعة وتريد أن تعتصم بجبل العقب لتتخلص به من طوفان الفتن المهلكة كما هو حال الفلاسفة لا يتهيأ له متمناه وهو من الهالكين.
ثم أخبر عن حالة من ركب سفينة الشريعة بقوله: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَآءَكِ} [هود: 44] ماء شهواتها، {وَيَا سَمَاءُ} [هود: 44] الفضاء، {أَقْلِعِي} [هود: 44] عن إنزال مطر الآفات، {وَغِيضَ الْمَآءُ} [هود: 44] أي: ماء الفتن أي: نقض ظلمتها بنور الشرع وسكنت سورتها، {وَقُضِيَ الأَمْرُ} [هود: 44] أي: انقضى ما كان مقدار من طوفان الفتن للابتلاء والتربية، {وَاسْتَوَتْ} [هود: 44] أي: سفينة الشريعة، {عَلَى الْجُودِيِّ} [هود: 44] وهو مقام التمكين يعني: أيام الطوفان كانت مقام التكوين في معرض الآفات والهلاك، فلما مضت تلك الأيام إلى الأمر إلى مقام التمكن وفيه النجاة والثبات ونيل الدرجات، {وَقِيلَ بُعْدًا} [هود: 44] أي: فرقة وهلاكًا، {لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [هود: 44] الذين ظلموا أنفسهم بالتقاعد عن ركوب الشريعة.