{قَالَ} يوسف القلب لملك الروح {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الْأَرْضِ} [يوسف: 55] أي: خزائن أرض الجسد، فإن لله تعالى في كل عضو من أعضاء ظاهر الجسد وباطنه خزانة من اللطف والقهر فيما نعمة أخرى، كالعين فيها نعمة البصر فإن استعملها في رؤية البصر ورؤية الآيات والصنائع فيجد اللطف وينتفع به، وإن استعملها في مستلذاتها وشهوات النفس ولم يحفظ نفسه منها فتجد القهر ويضره ذلك، وقس الباقي على هذا المثال، ولهذا قال يوسف: {إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف: 55] أي: حافظ نفس فيها عمَّا يضرها عليم بنفعها وضرها واستعمالها فيما ينفع ولا يضر.
{وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ} ليوسف القلب، {فِي الْأَرْضِ} أرض الجسد، {يَتَبَوَّأُ مِنْهَا} أي: يتصرف في جميع الأعضاء، {حَيْثُ يَشَآءُ} [يوسف: 56] من تلك الخزائن، {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ} [يوسف: 56] يشر إلى أن إصابة اللطف من تلك الخزائن دون القهر موكلة إلى مشيئة الله تعالى لا إلى مشيئة الخلق، فإن الخلق لو وصلوا إلى شيمهم ومشيئتهم أصابوا من تلك الخزائن باستعمالهم نعمها في مشتهيات نفوسهم القهر الموجع فيها دون اللطف.
{وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 56] أي: الحافظين نفوسهم عن هواها وشهواتها العالمين بالتصرف في تلك الخزائن على وفق الشرع وخلاف الطبع، {وَلأَجْرُ الْآخِرَةِ} [يوسف: 57] أي: رفعة الدرجات الأخرويات والنعم الباقيات، {خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} [يوسف: 57] من الشهوات الدنيويات الفانيات بالطاعات والقربات، فملَّا تمكن يوسف القلب في حمي مملكة مصر الجسد بالتأييد الرباني، وصارت خزائن أرض الجسد تحت تصرفه واحتاجت رعايا الأعضاء والجوارح إليه حتى أوصاف البشرية التي هي بمثابة إخوة يوسف فجاءوا إليه في طلب الميسرة.