وقوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ} [يوسف: 15] هذا لمَّا أوحي إليه ذلك طابت نفسه وطاب له محنة البئر، وكذا طاب القتل على الشهداء يوعد الله الصادق في مواعيده، وكذا طاب المرض على المريض لما في الصبر عليه من رجاء الثواب الجزيل، وكذلك سكرات الموت على المؤمن تطيب تنجيز الله وعده الصدق، فسبحانه من لطيف ما أراد به، واجتهد إخوة يوسف في مباعدة يوسف من قلب أبيه، وأوقعوه من مثل تلك المحنة فلم يزدد إلا حبًا، فكذا ينبغي أن يكون أن أمر المحب لا يزداد بتوالي المحسن عليه إلا حبًّا.
وقوله عالى: {وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ} [يوسف: 16] فليس كل بكاء يكون حقًا فقد يبكي الظالم كما في قصة يوسف وإخوته وجاءت امرأة إلى القاضي أبي هاشم وهي تبكي فقيل له: هذه ضعيفة تبكي، فقال: ليس كل من بكى صدق، قال الله تعالى: {وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ} [يوسف: 16] فالبكاء على وجوه:
* الأول: بكاء الحياء، وهو كان لآدم عليه السلام بكى مائتي سنة بعد الذلة حياءً من الله تعالى، وحكي أن الله تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه:"يا ابن آدم أين الشكر على العطاء؟ فإن لم يكن فإن الرضاء بالقضاء؟ فإن لم يكن فأين الصبر على البلاء؟ فإن لم يكن فأين النفي عن الهوى؟ فإن لم يكن فأين الوفاء لإله السماء؟ فإن لم يكن فأين البكاء على الجفاء؟"
". * والثاني: بكاء الخجلة، وهو لداود عليه السلام بكى أربعين سنة، ثم ملأ كفه دمعًا ودفعها إلى السماء فقال:"يا رب أما ترحم دمعي؟ فأوحى الله تعالى إليه: تذكر دمعك وتنسى ذنبك، فغشي عليه خجلًا مما قاله"وفي حديث غريب: أنه جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أبكي كلما ذكرتك [ففيض] بكائي خجلًا من الله تعالى، فهل ينفعني ذلك؟ فقال صلى الله عليه وسلم:"كل قطرة منها تطفئ بحورًا من النار"."
* والثالث: البكاء خوفًا من النار، فقال تعالى: {فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلًا وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا} [التوبة: 82] وحكي أن يحيى بن زكريا - عليهم السلام - كان على المنبر يومًا فقال: أتاني جبريل آنفًا فقال: إن في النار دركة يقال لها: سكران فيها جبل يقال له: غضبان لا ينجوا منها إلا الباكون من خشية الله، ثم بكى حتى غشي عليه وسقط من الكرسي، فما أفاق إلا بعد ثلاثة أيام، وقيل لبعضهم: ما يغنيك لا تخف، وقال: ولو أن الله تعالى أوعدني بعصيانه الحبس في الحمام لكنت خائفًا به كيف، وقد قال: