فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 1648

وفيه معنى آخر: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ} ارجعوا إليه للاستنصار على قتل النفس بنهيها عن هواها، فاقتلوا أنفسكم بنصر الله وعونه، فإن قتل النفس في الظاهر تيسر للمؤمنين والكافرين، وأما قتل النفس في الباطن وقهر ما قهر صعب لا يتيسر إلا خواص الحق بسيف الصدق ونصر الحق، ولهذا جعل مرتبة الصديقين فوق مرتبة الشهداء بقوله تعالى: {فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ} [النساء: 69] .

وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رجع من غزو يقول:"رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر"وذلك لأن المجاهد إذا قتل سيف الكفار يستريح من النصب والتعب بمرة واحدة، وإذا قتل بسيف الصدق في يوم ألف مرة تحيى نفسه على بصيرة أخرى وتزداد في مكرها وخداعها وحيلها، فلا يستريح المجاهد طرفة من جهادها، ولا يأمن مكرها. وبالحقيقة: النفس صورة مكر الحق {فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 99] .

{ذَالِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ} [البقرة: 54] يعني: قتل النفس بسيف الصدق ألف مرة خير لكم؛ لأن بكل قتلة رفعة درجة لكم عند بارئكم، فأنتم تقربون إلى الله تعالى بقتل النفس وقمع الهوى وهو يتقرب إليكم بالتوفيق للتوبة والرحمة عليكم، كما قال تعالى:"من تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا"وذلك قوله تعالى: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 54] ، أخبر عن سوء أعمالهم بمقالهم في قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} [البقرة: 55] ، الآيتين، الإشارة فيهما أن مطالبة الرؤية جهرة هي تعرض مطالعة الذات المقدسة، فتوجب سوء الأدب وترك الحرمة، وذلك من أمارات البعد والشقاوة، فمن سطوات العظمة والعزة أخذتهم الرجفة الصعقة إظهارًا للعدل، ثم من سنة الكرم قاصد عليهم بحال النعم إسبالًا للستر على هيئات العبيد والخدم فقال: {فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} [البقرة: 55] ، {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 56] ، إظهارًا للفضل.

ثم أخبر عن نتائج الكرم بأنواع النعم بقوله تعالى: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى} [البقرة: 57] ، والإشارة: لما ابتلاهم بألسنة العزة وأدبهم بسوط القوة، أدركهم بالرحمة في وسطه الكربة، فأكرمهم بالإنعام وظللهم بالغمام ومن عليهم بالمن وسلاهم بالسلوى، فما ازدادوا بشؤوم الطبيعة ولؤم الوقيعة إلا في البلوى، كما قيل: {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 57] ، بأمر الشرع {وَمَا ظَلَمُونَا} [البقرة: 57] ، إذ تصرفوا فيها بالطبع {وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [البقرة: 57] ، بالحرص على الدنيا ومتابعة الهوى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت