فهرس الكتاب

الصفحة 863 من 1648

فثم أخبر عن كمال قدرته وجهل الإنسان بحكمته بقوله تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا} [النحل: 78] أي من أمور الدنيا والآخرة ولا مما كانت أرواحكم تعلم في عالم الأرواح ولا مما كانت ذرَّاتهم تعلم من فهم خطاب ربكم إذ قال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] ولا مما علمت إذ قالت بالجواب: {بَلَى} [الأعراف: 172] ولا مما تعلمت الحيوانات حين ولادتها من طلب غذائها ومعرفة أمها والرجوع إليها والاهتداء إلى ضروعها وطريق تحصيل اللبن منها ومشيها خلفها وغير ذلك مما تعلم الحيوانات وتهتدي إليه ولا يعلم الطفل منه شيئًا ولا يهتدي إليه.

{وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ} [النحل: 78] لأجسادكم كما جعل للحيوانات لتسمعوا بها وتبصروا وتفهموا ما يسمع الحيوان ويبصر ويفهم وجعل لأرواحكم سمعًا تسمعون به ما تسمع الملائكة وبصرًا تبصرون به ما تبصر الملائكة، وفؤادًا تفهمون به ما تفهم الملائكة، وجعل لأسراركم سمعًا تسمعون به من الله، وبصرًا تبصرون به الله، وفؤادًا تعرفون به الله، وهذه الحواس مستفادة من قوله تعالى:"كنت له سمعًا وبصرًا ولسانًا فبي قلبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق".

{لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78] بهذه الآيات نعم الله وإذا شكرتم نعم الله باستعمالها وصرفها في طلب الله وترك الالتفات إلى النعم للمنعم، وفيه إشارة أخرى قوله: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} [النحل: 78] أي: من العدم وهو الأم الحقيقية {لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا} [النحل: 78] قبل أن يعلمكم الله أسماء كل شيء {وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ} [النحل: 78] حين خاطبكم بقوله: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] فتجلى لكم بربوبيته، فبنور سمعه أعطاكم سمعًا تسمعون به خطابه، وبنور بصره أعطاكم بصرًا تبصرون به جماله، وبنور علمه أعطاكم فؤادًا تعرفون به كماله، وبنور كلامه أعطاكم لسانًا تجيبونه بقولكم: {بَلَى} [الأعراف: 172] ، {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78] فلا تسمعون بهذا السمع إلا كلامه، ولا تبصرون بهذا البصر إلا جماله، ولا تحبون بهذا الفؤاد إلا ذاته، ولا تتكلمون بها اللسان إلا معه.

وفي قوله تعالى: {أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ} [النحل: 79] فيه إشارة إلى طير الأرواح أنها مسخرة في جو سماء القلوب {مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ} [النحل: 79] لأن الأرواح علويات، وإنما سكونها في سفل الأجساد بتسخير الله إياها كقوله: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} [ص: 72] .

وقوله: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} [التين: 5] وفيه إشارة إلى أن للإنسان مقامًا يرى الله بنور الله قبل رؤية الأشياء، ويرى الأشياء قائمة بقدر الله، كما قال بعضهم: ما نظرت إلى شيء إلا ورأيت الله قبله.

{إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل: 79] بالله بنور الله فهذه التأويلات من جملة الآيات التي يهدي بها الله خواص عباده إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت