ثم أخبر تعالى عن حسد اليهود والحسد لا يسود بقوله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} [البقرة: 109] ، والإشارة فيهما أن من أدركه الخذلان ولحقه الخسران، وإن يرد أهل الإيرادات عن طريق إمكان ويقطع عليهم سبيل التهمة ويوردهم مورد السلامة، وهذا من نتائج الحسد كما كان لإبليس فلما طرد عن الباب سعى في إخراج آدم من الجنة وأزله وأضله عن طريق الصواب، فمن أفل له كوكب عنايته كيف يرضى لأحد بطلوع شمس الهداية؟ ولكن الله ولي كفاية لأهل الولاية وكذلك حال المريد في البداية لو شمر عن ساق الطلب سيف العناية مما أن لم يساعده التوفيق في سلوك هذا الطريق عيانوا سر التعيين بالظواهر من أهل علم القال المحرومين من أنواع علوم الحال يمنعون هؤلاء من السلوك بتمويهات الشكوك، فلا يزالون يخاطبونهم بلسان النصح والتخويف والفجر والتهديد بالفقر حتى يقلبوهم إلى سبيل الطغيان يقوم الكفران من بعد ما تبين لهم حقيقة الدين يكاشفه نور اليقين، فطريق أهل الحقيقة أن يعفوا عنهم لأنهم معذورون إذا لم يذوقوا حلاوة ما أذاقهم الله تعالى، وتصفحوا عن مساوئ أخلاقهم وعلى قلوبهم ومعاريض كلامهم، فإنهم معذورون إذ لم يهتدوا بأنوار ما هداهم الله حتى يأتي الله بأمره فيهم من الهدى والرد، إن الله قادر على كل أمر من قبل المريد إلى الثبات على قدم الصدق بالعبودية مع الحق واستعمال الخلق وبذل المجهود في طلب المقصود، فإن من يبذل جهده فعن قريب يفتح الله عليه طريقه.
كما أخبر تعالى بقوله: {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ} [البقرة: 110] ، والإشارة فيها أن كل من كان مشارًا إليه في علم الله تعالى عند الخطاب {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ} في الأزل أقام الصلاة وأتى الزكاة الآن {وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ} [البقرة: 110] ، كل طاعة بدنية وقلبية ومالية {عِندَ اللَّهِ} [البقرة: 110] ، في أم الكتاب مبرمًا أزليًا ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا يدل على هذا المعنى قوله تعالى: {كَانَ ذالِك فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا} [الإسراء: 58] ، وفيه معنى آخر تجدوه عند الله أي: تجدوا تلك الطاعات والخيرات موجبة لكم القربات في مراتب العندية في مقعد صدق عن مليك مقتدر، وفيه معنى آخر {وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُم} أي: تقربتم به إلى الله تجدوه عند الله بتقربه إليك كما قال:"من تقرب إلي شبرًا تقريب إليه ذراعًا"فالواجب على المريد إقامة المواصلات وإدامة التوسل بفنون القربات واتقاء بأن ما يقدمه من جياد المجاهدات يرى ثمرته في آخر الحالات، فإن المجاهدات تورث المشاهدات.