فهرس الكتاب

الصفحة 1015 من 1648

{أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا} [النمل: 8] وكانت استعاضة النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:"كلميني يا حميراء"من فوران ثائرة هذه النار وهيجانها، والله أعلم.

ثم أخبر عن معاملة أرباب المجادلة بقوله تعالى: {مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [لقمان: 20] يشير إلى أن من يجادل في الله ما له علم بالله ولا معرفة به، وإلا لم يجادل فيه ويستسلم له، وإنما يجادل في الله؛ لأنه {وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ} [الحج: 3] من شياطين الجن والإنس.

وبقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} [الحج: 4] يشير إلى أنه قد مضى الله سبحانه على كل شيطان من الجن والإنس أن من يتبعه ويتولاه فإنه يضله على الصراط المستقيم والدين القويم؛ فأمَّا الشيطان الجني، فبالوسواس والتسويلات وإلقاء الشبهة، وأمَّا الشيطان الإنسي، فبإيقاعه في مذاهب أهل الأهواء والبدع، والفلاسفة والزنادقة المنكرين البعث، والمستدلين بالبراهين المعقولة المشوبة بشوائب الوهم والخيال وظلمة الطبيعة، فيستدل بشبهتهم ويستدل بعقائدهم حتى يصير من جملتهم، ويعد في زمرتهم كما قال الله تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51] ويهديه بها الاستدلالات والشبهات إلى عذاب السعير والقطيعة والحرمان.

وبقوله تعالى: {يأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} [الحج: 5] يشير إلى ناس قد نسي خلقه وأنكر البعث كما قال تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ} [يس: 78] .

ثم استدل على البعث بقوله تعالى: {فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ} [الحج: 5] منها {مِّن تُرَابٍ} [الحج: 5] أي: كنتم ترابًا ميتًا، فبعثنا بأن خلقنا منه آدم حيًا، ثم بعثنا منه النطفة، ثم بعثناها بأنَّا خلقنا منها العلقة، ثم بعثناها بأن خلقناها مضغة، ثم بعثناها بأن خلقناها مخلقة؛ أي منفوخة فيها الروح، وغير مخلقة؛ أي: صورة لا روح فيها {لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ} [الحج: 5] أمر البعث والنشور.

{وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} [الحج: 5] فيه إشارة إلى أن أطفال المكونات كانوا في أرحام أمهات العدم مقرين بتقرير الحق إياهم فيه، ولكل خارج منها أجل مسمى بالإرادة القديمة والحكمة الأزلية، فلا يخرج طفل مكون من رحم العدم إلا بمشيئة الله أوان أجله، وهذا رد على الفلاسفة فإنهم يقولون بقدم العالم ويستدلون في ذلك هل كان لله في الأزل أسباب الإلهية في إيجاد العالم بالكمال أم لا؟

وإن قلنا: لم تكن، فقد أثبتنا له نقاصًا، فالناقص لا يصلح للإلهية، وإن قلنا: قد كان له أسباب الإلهية بالكمال فلا مانع فقد لزم إيجاد العالم في الأزل بلا تقدم زماني للصانع على المصنوع، بل بتقدم رتبتي فنقول في جوابهم: إن الآية تدل على أن الله تعالى كان في الأزل بلا تقدم ولم يكن معه شيء، وكان قادرًا على إيجاد ما يشاء كيف يشاء، ولكن الإرادة الأزلية اقتضت بالحكمة الأزلية أجلًا مسمى بإخراج طفل العالم من رحم العدم أوان أجله، وإن لم يكن قبل وجود العالم أوان، وإنما كان مقدرًا لأوان في أيام الله تعالى التي لم يكن لها صباح ولا مساء كما قال الله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت