فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 1648

ثم أخبر عن أهل الإيمان الحقيقي بقوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} [البقرة: 121] ، والإشارة آتينا هاهنا بمعنى أعطينا أي: الذي أعطيانهم الكتاب دراية وفهمًا وقبولًا {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} [البقرة: 121] ، يدل على هذا قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} [البقرة: 87] ، وقوله تعالى: {وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ} [البقرة: 253] ، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي} [الحجر: 87] ، كلها بمعنى الإعطاء فالفرق بينهما بمعناه وغير معناه أن الذي بمعنى الإعطاء إضافة إلى نفسه فقال {وَآتَيْنَا} وبمعنى غيره ذكره بصيغة ما لم يسم فاعله فقال تعالى: {أُوتُواْ الْكِتَابَ} [آل عمران: 19] ، كقوله تعالى: {وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ} [آل عمران: 19] .

وقوله تعالى: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ} [البينة: 4] ، وأمثاله أي: يتدبرون ويتفكرون في معانيه وأسراره وحقائقه ولطائفه وظاهره فإن القرآن ظهرًا وبطنًا يدل على هذا قوله تعالى: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} [البقرة: 121] ، {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} [النساء: 82] ، {َأُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} [البقرة: 121] ، الإيمان الحقيقي ما يكون من إعطاء الله حقائق كتابه لقلوب عباده ليتلوه حق تلاوته ويؤمن به والدليل على هذا قوله تعالى: {َأُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ} [المجادلة: 22] ، {وَمن يَكْفُرْ} [البقرة: 121] ، أي: ومن ينكر هذا المعنى ويجحد {بِهِ} [البقرة: 121] ، ولا يعرف قدر معاني القرآن وحقائقها ويقنع بما ظهر عنده من لغة العرب والأحكام الظاهرة والقصص فقد مر حقائق ما أشار إليه الله عز وجل بقوله: {قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي} [الكهف: 109] ، {فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [البقرة: 121] .

ثم أخبر تعالى عما أنعم به على اليهود وما عرفوا بقوله تعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 40] ، الآيتين الإشارة فيهما أن يتذكر النعمة المضافة إلى نفسه التي من خصائصها أن ينعم الله بها على عباده بما يفضلهم على العالمين {وَاتَّقُوا يَوْمًا} [البقرة: 48] ، فهاهنا الاتقاء من عذاب يوم {لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا} [البقرة: 48] ، من العذاب من نفس مثله {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} [البقرة: 48] أي: فداء من نفس دون نفس ولا ينفعها شفاعة؛ لأنها لم تكن أهلًا للشفاعة {وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ} [البقرة: 48] ، يدفع العذاب عنهم أبدًا؛ لأنهم أبطلوا استعداد قبول فيض النصرة عن أنفسهم باتباع الهوى وترك التقوى.

ثم أخبر تعالى عن أهل التقوى وتارك الهوى بقوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} [البقرة: 124] ، والإشارة فيها أن الولاء مظنة البلاء، فإن إبريز الولاء لا يبرز من معدن الإنسان الذي هو محل الابتلاء إلا بالتهاب نار الهوى، كما قيل البلاء للولاء كاللهب للذهب، فأصدقهم ولا أشدهم بلاء، فلما ابتلي الخليل عليه السلام بكلمات هي أحكام النبوة ولوازم الرسالة وموجبات الخلقة فوفى {فَأَتَمَّهُنَّ} [البقرة: 124] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت