فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 1648

أما أحكام النبوة: فما ابتلاه الله تعالى بالخصال العشرة في جسده كما ذكره في تفسير الآية، وأما لوازم الرسالة فمنها الصبر عن صدمات المكروهات وفقدان المألوفات، كما قال تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 35] ، فصبر على كل مكروه وحادثة في ماله وولده ونفسه، وعن كل مألوف فقده في المال بالبذل وفي الولد بالذبح وفي النفس بالفداء.

وأما موجبات الخلة: فمنها التبرؤ عما سوى الخليل، ورفع الوسائط فيما بينه وبين الخليل، والتسليم والرضا تحت تصرفات الخليل فيما أراده له الخليل.

أما التبرؤ فقوله: {إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 78] ، وأما العداوة فإنه قال: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 77] .

وأما رفع الوسائط فقوله حين عرضه جبريل عليه السلام في الهوا وهم يعذبونه في لجة الهلاك، وما الرضا ففي ذبح الولد قد أظهر الرضا، بما أمره وما راجع الحق تعالى في ولده كما راجعه نوح عليه السلام في ولده {إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي} [هود: 45] ، فأخبره تعالى كمال رضاه بقوله: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} [الصافات: 103] فلما خرج عن عهده إتمام كلمات الابتلاء فزيد له في الاصطفاء والاجتباء وأكرم بكرامة الأنبياء والاقتداء بقوله تعالى: {قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} [البقرة: 124] ، وقد قيل: وعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان وفي قوله تعالى: {قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ} [البقرة: 124] ، معنيان:

أحدهما: {قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} [البقرة: 124] ، تهدي الناس إلى طريق خلتي بأقوالك وأفعالك وأخلاقك على طريق هدايتك إليها بعد أن أسلموا الأحكام منا كما أسلمت وصبروا على بلائنا كما صبرت وأيقنوا بآياتنا كما أيقنت يدل على هذا المعنى قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ} [السجدة: 24] .

والثاني: جاعلك إمامًا لمن يدعي محبتي ويريد خلتي أبدًا ليقتدى بك فيما ابتليتك من موجبات الخلة ذكره بأداء حقوقها والخروج عن عهدة شرائطها كما أجرى منك والذي يدل على هذا المعنى قوله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] .

ثم التمس الخليل عليه السلام من الله تعالى إمامة لأوليائه {قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي} [البقرة: 124] ، فأخبر تعالى أنها ليست باستحقاق فما نسب أو باستحقاق سبب، وإنما هي باستعداد أزلي وقسم سرمدي {قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة: 124] أي: غير المستعدين لقبول هذه الكرامة الله أعلم حيث يجعل رسالته من ذريتك، وغرهم إذا ليس هذا كنعيم الدنيا وسعة الأرزاق فيها فإنه لا ادخار لها عن أحد وإن كان كافرًا كما كان في أهل ملكه لما دعوت، فقلت: {وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [البقرة: 126] ، قال: ومن كفر فليس بالدنيا من الخطر ما يمنعها من الكفار ولكن عهدي لا ينال إلا الخواص من عبادي وأخص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت