فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 1648

ثم أخبر تعالى عن إلحاحهما في الدعاء بقوله تعالى: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ} ، والإشارة فيها أن الرسول الخارجي لا يسمع من لم يكن له في القلب رسول قلبي بوارد من الحق سبحانه ويكون القلب به حيًا كما قال تعالى: {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: 80] ، وقال تعالى: {لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا} [يس: 70] ، فالقلب الحي بنور ورد الحق ليسمع بذلك النور كلام الرسول الخارجي ويفهمه ويقبله فسر القلب الذي هو قابل فيض نور وارد الحق يكون الرسول بين الحق والعبد، فيأخذ الأسرار والمعاني والحكم والمواعظ من نور وارد الحق ويبلغها إلى القلب والنفس وسائر الأمة المسلمة من الأوصاف والأخلاق.

كما قال صلى الله عليه وسلم:"واعظ الله في قلب كل مؤمن"فمعنى الآية أفض على سر القلب أنوار وارد فضلك ليكون رسولًا في الآمة المسلمة من الأوصاف الإنسانية وأخلاقها وأعمالها منهم، فيأخذ رسالات أنوار وارداتك ويبلغ إليهم {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ} ، بلسان الأنوار {آيَاتِكَ} ، وارداتك {وَيُعَلِّمُهُمُ} أسرار {الْكِتَابَ} ، ومعانيه وحقائقه ولطائفه {وَالْحِكْمَةَ} ، وهي كل خير معنوي يؤتيهم الله بوارد فضله سرًا فيخصه بذلك دليله قوله تعالى: {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269] ، فإن قيل على هذا كيف يعلمهم الحكمة النبي صلى الله عليه وسلم وأثبت أن الحكمة من مواهب الحق؟ فالجواب عنه من وجهين:

أحدهما: أنه يعلمهم من الحكمة التي أتاه الله ويدعوهم بها إلى سبيل الحق بيانه قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125] .

وثانيهما: شرائط الإسلام وواجبات الشرع فيها يهدي الله قلوبهم ويفتح عليهم أبواب الحكمة لقوله تعالى: {وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن: 11] ، وقال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي} [الشورى: 52] ، وقوله تعالى: {وَيُزَكِّيهِمْ} ، فيه إشارة إلى أن تزكية أوصاف الخلق لا يمكن إلا بتحلية أخلاق الحق، وذلك أيضًا من أنوار وارد الفضل لقوله تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّْ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ} [النور: 21] .

{إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ} ، والعزيز هو المنيع الذي لا يهدي إليه إلا بهدايته ولا يوصل إليه إلا بجذبات عنايته {الحَكِيمُ} ، أي: ذو الحكمة يعني ليست الحكمة من صفات الخالق إنما هي من صفات الحق فمن لم يؤته الحكمة يكون على وصف جهولية {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72] .

ثم أخبر تعالى عن وصف من نبذ الملة وما فيه من العلة بقوله: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة: 130] ، إشارة إلى أنه من يرغب من ملة إبراهيم الروح وهي التوحيد بالكلية للحق، والتبرؤ عما سواه في تصحيح الخلة إلا النفس الأمارة التي من خصوصيتها الظلومية والجهولية فبجهلها لا يعرف قدر مقام الروح واختصاصه بالقرب واستحقاقه للخلة، ولا يعرف أيضًا خسته نفسها وعملها وضلالتها المذمومة، وإن هكلاها في هواها فترغب إلى متابعة هواها وتحصيل لذاتها وشهواتها وترغب عن مطاوعة الروح في طلب الحق {وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا} [البقرة: 130] ، على كل شيء خلقناه {وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [البقرة: 130] ، لقبول نور الله الذي هو مخصوص به من العالمين في قبوله وإلى هذا أشار بقوله {وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ} [الأحزاب: 72] ، فافهم جدًّا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت