فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 1648

{أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] ، منورًا بنور جواب {بَلَى} وهو الإيمان الفطري وهو الحجر الذي لقمه كتاب العهد يوم الميثاق، وهو يمين الله في أرضه وهو الذي يلزم أن يصافح ويقال إيمانًا بوعدك ووفاء بعهدك فلما كان أيام طوفان آفات الصفات البشرية الطفولية إلى أوان البلاغة ودار تنور الشهوة رفع بيت معمور القلب إلى السماء الرابع يعني حجب أستار خواص العناصر الأربع وأخفى حجر الذرة في أبي قبيس صفات النفس فلما أمر إبراهيم الروح بعد البلوغ ببيت القلب السكينة التي ينزل الله تعالى في قلوب عباده ولو كان نبيًا من الأنبياء لقوله تعالى: {أَنَزلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 26] .

وقال تعالى: {هُوَ ِالَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ} [الفتح: 4] فجعل إسماعيل النفس المطمئنة المارة تجيء بأحجار أعمال الشريعة من جبال أركان الإسلام، وتناولها بيد الصدق إبراهيم الروح وهو بيتي إلى أن يبلغ موضع الحجر فنودي من أبي قبيس الهوى: وإن لك عندي وديعة فخذها مخلص حجر الذرة من أستار صفات النفس والهوى فوضعه مكانه وكان أبيض فلما لمسه حضيض اللذات الدنياوية ومشركوا الشهوات النفسانية في جاهلية الطفولية اسود، فلما أتما رفع قواعد بيت القلب رجعا إلى الحضرة بصدق النية وما سألا ربهما من الأجرة إلا تقبل العبودية: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 127] ، بما يحتاج إليه مما نعلم ومما لا نعلم.

ثم أخبر تعالى عن صدق التجائهما وخلوص دعائهما بقوله تعالى: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ} ، والإشارة فيها أن إبراهيم الروح وإسماعيل النفس المطمئنة سألا ربهما بعد فراغهما من عمارة القلب أن يجعل سعيهما مشكورًا، ويجعلهما مسلمين منقادين للأحكام الظاهرة والباطنة، فأما الظاهرة: فهي أحكام الشريعة وأما الباطنة: فهي الأحكام الأزلية الحقيقية التي جف القلم بها قالا: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ} أي: المتولدات منا من الصفات الروحانية والصفات النفسانية {أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ} ، حتى لا يتحرك عرق منا إلا بانقياد أوامرك ونواهيك، ولا يخطر ببالنا خاطر إلا بإلهاماتك ودواعيك ولا يكون لنا خلق إلا تخلقنا به من أخلاقك {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} ؛ إذ لا سبيل إلى معرفة [مقتدراتك] إلا بإعلام [أوقاتك] ، {وَتُبْ عَلَيْنَآ} ، بتوفيق ترك حظوظنا والقيام بأداء حقوقك بعد القيام بجميع ما أمترنا حتى لا تلاحظ حركاتنا وسكناتنا، ونرجع إليك عن شهود أفعالنا واستجلاء أحوالنا لئلا يكون يخطر الشرك الخفي بوهم منا {إِنَّكَ أَنتَ} ، وأنا بك لا بنا فلا يكون رجوعنا إلا إليك لأنك {التَّوَّابُ} ، فارجع بنا إليك بك فراحمنا فإنك {الرَّحِيمُ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت