فهرس الكتاب

الصفحة 1153 من 1648

وقال أبو بكر الكتاني: سماع العوام على متابعة الطبع، وسماع المريدين رغبة ورهبة، وسماع الأولياء رؤية الآلاء والنعم، وسماع العارفين على المشاهدة، وسماع أهل الحقيقة على الكشف والعيان ولكل واحد من هؤلاء مصدر ومقام، فلا ريب في أن السماع مشتمل على كثير من الفوائد.

قال تعالى: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الزمر: 18] ، وقال: {وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 83] فكل سماع يفيد هذه المعاني لصاحبه من الهداية والرشد والمعرفة فهو السماع الذي أسمعه الله تعالى فمن القوم من يسمع في الله ولله وبالله ومن الله، ولا يسمع بالسمع الإنساني بل بالسمع الرباني كما قال تعالى:"كنت له سمعًا فبي يسمع"فالحاصل أن من فسر قوله تعالى: {لَهْوَ الْحَدِيثِ} [لقمان: 6] بالغناء وحرمها إنما حرمها لأنها لهو وقد جاء في الحديث:"كل لهو حرام"وقد حلت ربقة هذه الطائفة عن أن يسمعوا بلهو ويجتمعوا بسهو فإنهم يسمعون من حيث صفاء التوحيد بحق لا بحظ فهم بين استتار يوجب التلهب أو تجل يورث الترويح، أو خطاب يقتضي الاشتياق أو عتاب يزيد في الإحراق، فتارة يخاطبهم الحق بإشعارهم فيخطفهم عن ولهٍ، كأن البشرية مستورة، وتارة يتضرعون بين يدي الحق بأقوالهم وأبياتهم فيملأ في قلوبهم سرورًا وحبورًا وعلى الحقيقة إن السماع مهما كان لجماعة من المريدين الصادقين أرباب الرياضات والمجاهدات بحضور شيخ كامل تحميهم ولايته عن تصرفات الشياطين، وتبدر همته لئلا تهيج في أنفسهم الآفات والفتن النائمة، وإلا فالاحتراز سنة أقرب إلى الصواب وأبعد من موجبات العقاب.

{لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [لقمان: 6] يعني: من يشتري لهو الحديث مما يشغل عن الله ذكره يكون حاصله أن يضل عن سبيل الله بغير علم عن تلك الضلالة {وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا َأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [لقمان: 6] إهانة الطرد والإبعاد، وما في الآيات قد تقدم تفسيرها وتحقيقها إلى قوله تعالى: {بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [لقمان: 11] .

ثم أخبر عن إعطاء النعمة في إيتاء الحكمة بقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ} [لقمان: 12] يشير إلى لقمان القلب وإتيانه الحكمة والحكمة عدل الوحي، قال صلى الله عليه وسلم:"أوتيت القرآن وما يعدله"وهو الحكمة بدليل قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [الجمعة: 2] فالحكمة موهبة الأولياء كما أن الوحي موهبة الأنبياء، وكما أن النبوة ليست كسبية بل هو {فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} [الجمعة: 4] فكذلك الحكمة ليست كسبية تحصل بمجرد كسب العبد دون تعليم الأنبياء إياها طريق تحصيلها بقوله صلى الله عليه وسلم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت