"من أخلص لله أربعين صباحًا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه"فكما أن القلب مهبط الوحي من إيحاء الحق تعالى فكذلك مهبط الحكمة بإيتاء الحق تعالى.
كما قال: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ} [لقمان: 12] ، وقال: {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269] ، فثبت أن الحكمة من المواهب لا من المكاسب؛ لأنها من الأحوال لا من المقامات والمعقولات التي سمتها الفلاسفة حكمة ليست بحكمة فإنها من نتائج الفكر السليم من شوب آفة الوهم والخيال وذلك يكون للمؤمن والكافر، وقلما يسلم من الشوائب ولهذا وقع الاختلاف في أدلتهم وعقائدهم ومن يحفظ الحكمة التي أوتيت بعض الحكماء الحقيقة لم تكن حكمة بالنسبة إليه؛ لأنه لم يؤت الحكمة ولم يكن هو حكيمًا ولما كانت الحكمة من إنعام الله على لقمان ونعمة من نعمه طالبه بشكرها بقوله: {أَنِ اشْكُرْ للَّهِ} [لقمان: 12] ، إذ أتاك هذه النعمة وأنت نائم غافل عنها جاهل بها.
ثم قال: {وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} [لقمان: 12] لأن الشكر موجب لمزيد النعمة، وأيضًا لأن الكفر من الوصف اللازم للإنسان بأنه {لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34] والشكر من صفة الحق فإن الله شاكر عليم، فمن شكر فإنما شكر لنفسه بإزالة الصفة الكفارية عنها واتصافها بصفة شاكرية الحق تعالى، {فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ} [لقمان: 12] أزلي الغنى وأبديتها لا يحتاج إلى شكر الشاكرين وهم يحتاجون في تحصيل الشكر إليه، ولو أنعم عليهم بمزيد النعمة لشكرهم إياه ما ينقص من غناه شيء، {حَمِيدٌ} [لقمان: 12] في ذاته وصفاته أن يحمده البعاد ويشكروه.