فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 1648

{فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [الأنعام: 114] ، في حق حقه ولا في حق نفسك تفهم هذه الدقيقة إن شاء الله تعالى.

ثم أخبر أن لكل أهل ملة قبلة بقوله تعالى: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة: 148] ، والإشارة فيها بمعنيين:

أحدهما: إن لكل شخص على حدة قبلة مناسبة لاستعداد جبل هو عليها موليها، هذا تحقيق قوله صلى الله عليه وسلم:"اعلموا فكل ميسر لما خلق له".

وثانيهما: إن لكل شيء من الإنسان قبلة هو موليها إن وكل إليه فقبلة البدن هي بالتلذذ بالحواس الخمس من المأكول والمشروب والمشموم والمسموع والمبصر والملموس والمركوب والمنكوح وأمثاله، وقبلة النفس هي الدنيا وزينتها ورفعتها والحرص في جمعها والتفاخر بها والتكبر لها وأشباه ذلك، وقبلة القلب هي الآخرة ونعيمها ودرجاتها وأنواع التمتعات بها، وقبلة الروح هي القربة والزلفة والشوق والمحبة وما هو من هذا القبيل، وقبلة السر التوحيد والمعرفة وكشف العلوم والمعاني والأسرار، وما يناسب ذلك ولو وكل واحد من هؤلاء إليه حتى أقبل البدن إلى قبلته وأقبلت النفس إلى قبلتها فكانا يزاحمان القلب والروح والسر في إقبالهم إلى قبلتيهم ويشغلانهم عن ذلك، وما صح لهم أن يقبلوا على قبلتهم بل يحولانهم إلى قبلتهما ويسبقا بهم، فلما وكلهم الله إليهم أمروا جميعًا أن يخرجوا من طباعهم وأهوائهم ويطيعوا ربهم في إقبالهم إلى القبلة بأمره فاستبقوا الخيرات.

{أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا} [البقرة: 148] ، فجعل قبلة البدن الكعبة، وقبلة النفس الطاعة والعبودية وترك الهوى، وقبلة الهوى وقبلة القلب الصدق والإخلاص والإيمان والإيقان والإحسان، وقبلة الروح التسليم والرضاء والصبر على مر القضاء، وقبلة السر الفناء في الله والبقاء بالله والكينونة مع الله على ما أراد الله بلا إعراض ولا اعتراض وأشار بقوله: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} على أنكم إذا شرعتم بشرط العبودية في الطاعة فيما لكم به قدرة واستطاعة من {أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا} بجذبات الألوهية إلى أينما لم تكونوا بالله {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 148] ، في أشياء الإنسان: {قَدِيرٌ} [البقرة: 148] ، أن يفنيه به، فافهم جدًّا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت