فهرس الكتاب

الصفحة 1199 من 1648

"إن الله سلطني على شيطاني فأسلم على يدي فلا يأمرني إلا بخير".

{وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ} [سبأ: 12] أي: سعير المحبة وعذابها ان نار المحبة تحرق شوكها ونور المحبة يعني ظلمة خبثها وتمردها.

{يَعْمَلُونَ لَهُ} [سبأ: 13] أي: لسليمان القلب {مَا يَشَآءُ} أي: يتصفون بصفات القلب ويكون أعمالهم على وفق مشيئته لا على وفق طبيعتهم ومشيئتهم {مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ} أي: مما يتوجه به إلى الله فإن الله تعالى اختص للشيطان بهذه الصفة من بين سائر المخلوقات أعني التوجه إلى الله والسجود له والإباء والاستكبار عن سجدة غيره، وهذا أخلص عبودية لله وأخص وصف وأشرفه في الموجودات إذا كان بإذن الله وأردى خصلة وأخس وصف وأخثبه إذا كان بالطبيعة وخلاف أمر الله وموجبًا للطرد واللعن.

كما كان حال إبليس إذ قال تعالى له: {يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ} [ص: 75] إذ أمرتك {قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ} [ص: 76] والنار من شأنها طلب العلو والتوجه إلى الحضرة {وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [ص: 76] ومن شأنه طلب السفلي والإعراض عن الحضرة فالله تبارك وتعالى لما خمر طينة آدم بيده عجن فيها كل خاصية وصفة ما اختص بها شيئا من المخلوقات ليكون آدم عالما بجميع الأشياء بتلك الخصائص ليقدر على التصرف فيها بخلافة الحق تعالى وليتوسل بها في الرجوع الذي هو مخصوص به إلى الحضرة والوصول إليه فبخاصية الإباء والاستكبار الشيطاني امتنع وأبى عن السجود لغير الله وبها يتوجه القلب إلى الله بإعراضه عن غيره ويقول {وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 79] يعني الذين أشركوا بتوجههم إلى الدنيا أو إلى الآخرة {إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162] .

ثم قال {وَبِذلِكَ أُمِرْتُ} [الأنعام: 163] بأن إعراضي عن المخلوقات وإبائي واستكباري بالأمر لا بالطبع، ولو وكل القلب في الروح الخاصية الروحانية التي جبل الروح عليها ما كانت رغبتها في العبور عن مقام الروحانيات كالملائكة عن المقام المعلوم الروحاني وقول بعضهم: لو دنوت أنملة لاحترقت، ولما كان الإنسان محمول العناية وبجذبة {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ} [الفجر: 28] رجع من أسفل سافلين الموجودات إلى الحضرة فلم يسجد لشيء منها بتمرد صفة الشيطانية وإبائها واستكبارها وعبر عن المقامات كلها إلى أن بلغ سدرة منتهاها فأراد أن يقف عندها كجبريل ويقول:"لو دنوت أنملة لاحترقت"عملت له صفة الشيطنة النارية التي لا تبالي بالنار محراقًا من المحبة، فبتلك الصفة أفدى نفسه لنا نور الإلهي وعبر ببذل وجوده عن {نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ} [الهمزة: 6 - 7] .

وبقوله: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ} [سبأ: 13] يشير إلى المادية التي لا نهاية لها التي يأكل منها الأنبياء والأولياء؛ إذ يلبثون عنده، كما قال صلى الله عليه وسلم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت