فهرس الكتاب

الصفحة 1200 من 1648

"أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا} [سبأ: 13] يشير به إلى شكر داود الروح وسليمان القلب، ومن آله السر والخفي والنفس والبدن، فإن هؤلاء كلهم من متولدات الروح، فشكر البدن: استعمال الشريعة لجميع أعضائه وجوارحه ومحال الحواس الخمس، ولهذا قال: وَ {اعْمَلُوا} .

وشكر النفس: بإقامة شرائط التقوى والورع وشكر القلب لمحبة الله وخلوه عن محبة ما سواه.

وشكر السر: مراقبة عن التفاته بغير الله، وشكر ببذل وجوده على نار المحبة كالفراش على شعلة الشمعة، وشكر الخفي قبول الفيض بلا واسطة في مقام الوحدة مختفيًا بنور الوحدة عن نفسه.

وبقوله: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13] يشير إلى قلة من يصل إلى مقام الشكورية، وهو الذي يكون شكره، فللعوام شكرهم بالأقوال كقوله: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ} [الإسراء: 111] يريكم آياته وللخواص شكرهم بالأعمال كقوله: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا} [سبأ: 13] ولخواص الخواص شكرهم بالأحوال وهو الاتصاف بصفة الشكور، والشكور هو الله لقوله: {إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: 34] بأن يعطي على عمل فان عشر ثواب باق.

ثم أخبر عن إخبار إمضاء قضائه على أنبيائه وأوليائه، وبقوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ} [سبأ: 14] يشير إلى كمال قدرته وحكمته أنه هو الذي سخر الجن والإنس لمخلوق واحد مثلهم، وهم الألوف الكثيرة والوحوش والطيور، ثم قضى عليه الموت وجعلهم مسخرين لجثة بلا روح، وبحكمته جعل دابة الأرض حيوانًا ضعيفًا مثلها دليلًا لهذه الألوف الكثيرة ومن الجن والإنس يدلهم على علم ما لم يعلموا بفعلها، وفيه أيضًا إشارة أنه تعالى جعل فعلها سببًا لإيمان أمة عظيمة وبيان حال الجن أنهم لا يعلمون الغيب لقوله: {فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ} [سبأ: 14] أي: حال الجن {أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} [سبأ: 14] وفيه إشارة أخرى أن نبيين من الأنبياء اتكئا على عصوين وهما موسى وسليمان عليهما السلام، فلما قال موسى {هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا} [طه: 18] قال ربه {أَلْقِهَا} [طه: 19] فلما ألقاها جعلها ثعبانًا مبينًا يعني من اتكأ على غير فضل الله ورحمته يكون متكأه ثعباه، ولما اتكأ سليمان على عصاه في قيام ملكه بها فاستمسك بعث الله أضعف دابة وأخسها لإبطال متكئه ومستمسكه ليعلم أن من قام بغيره زال بزواله، وإن كل متمسك غير الله طاغوت من الطواغيت {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا} [البقرة: 256] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت