وأما نيته لنفسه: فتزكيتها عن صفاتها الذميمة وأخلاقها اللئيمة، وذلك في منعها عن استيفاء شهواتها الحيوانية، وترك مستلذاتها النفسانية بالاختيار دون الاضطرار، وإنما يتيسر ذلك بعد القدرة الكاملة عليه بالمالكية والملكية بلا مانع ولا منازع، وكمالية في المملكة بحيث يعوذ فيها مما تحرك داعية من دواعي البشرية المركوزة في جبل الإنسانية؛ ليكون كل واحد من المشتهيات والمستلذَّات النفسانية محرك لراعية تناسبها عند تملكها، والقدرة عليها عند توقان النفس إليها، وغلبات هواها، فيحرم على النفس مراضعها، ويحرمها عن مشاربها، ونهاها عن هداها خالصًا لله وطالبًا لمرضاته، فتموت النفس عن صفاتها كما يمةت البدن عن إعواز ما هو غذاء يعيش به، فلما ماتت النفس عن صفاتها الذميمة يحييها الله تعالى بالصفات الحميدة، كما قال تعالى: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [النحل: 97] ، وقال: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} [الشمس: 9] ، فلا يبقى لها نظر إلى الدنيا وسائر نعيمها، كما كان حال سليمان لم يكن له نظر إلى الدنيا ونعيمها، إنما كان مع تلك الوسعة في المملكة يأكل كسيرة من كسب يده مع جليس مسكين، ويقول: جالس مسكينًا.
وأما نيته لقلبه: فتصفيته عن محبة الدنيا وزينتها وشهواتها، وتوجهه إلى الآخرة بالإعراض عنها عن القدرة عليها والتمكن فيها، ثم صرفها في سبيل الله وقلع أصلها من أرض القلب؛ ليبقى القلب صافيًا نقيًا من الدنس قابلًا للفيض الإلهي، فإنه خلق مرآة لجميع الصفات الإلهية.
وأما نيته لروحه: فلتحليته بالأخلاق الحميدة الربَّنية، ولا سبيل إليها إلا بعلو الهمة وخلوص النية، فإن المرء يطير بهمته كالطائر {يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعام: 38] ، وتزينه الهمة بحسب نيل المقاصد الدنيوية الدنية، وصرفها عن نيل المراتب الدنية الأخروية الباقية، وإن لترك المقاصد الدنيوية وإن كان أثرًا لتربية الهمة، ولكن لا يبلغ حد أثر صرفه ما يملك من المقاصد الدنيوية لنيل الدرجات العلية، فلما كان من أخلاق الله تعالى أنه يحب معالي الأمور ويبغض سفاسفها، التمس سليمان عليه السلام أقصى مراتب الدنيا ونهاية مقاصدها؛ لئلا يلتفت إليها ويستعملها في تربية الهمة؛ لتتجلى روحه بحب معالي الأمور ويبغض سفاسفها متخلقًا بأخلاق الله تعالى.
وأما نيته للرعايا: بأن يحسن إليهم ويؤلف قلوبهم ببذل المال والجاه، فإن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها، فإنهم إذا أحبوا نبي الله لزمهم حب الله، فيكون حب الله وحب نبيه في قلوبهم محض الإيمان، ومن لم يكن منهم أن يؤمن بالإحسان فيدخلهم في الإيمان بالقهر والغلبة بأن يأتيهم {بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا} [التوبة: 40] ، كما أدخل بلقيس وقومها في الإيمان.
وأما نيته للملك: بأن يجعل الممالك الدنيوية الفانية أخروية باقية، بأن يتوسل بها إلى الحضرة بصرفها في إظهار الدين، ولإقامة الحق، وإعلاء كلمة الإسلام، فإن قيل قوله: {لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِي} [ص: 35] ، هل يتناوله النبي صلى الله عليه وسلم أم لا؟ قلنا:
إما بالصورة: فيتناول، ولكن لعلو همته وكمال قدره لا بعدم استحقاقه؛ لأنه عُرض عليه صلى الله عليه وسلم مُلك أعظم من ملكه فلم يقبله، وقال: