فهرس الكتاب

الصفحة 147 من 1648

{ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] ؛ أي أطلبوني.

وقال تعالى: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} [النمل: 62] ، والمضطر من لم يكن له غير الله أن يطلبه من الله فيكون مضطرًا في طلب الله من الله فلا يطلب من الله غير الله، فمن أضل ببعض هذه الشرائط في الدعاء فلم يلزمه الإجابة كمن أضل بركن من أركان الصلاة، لم يلزمه القبول إلا أنه الجبار فيجبر كل خليل وكسر يكون في أعمال العباد وبفضله وكرمه، وفي الحقيقة أن إفضاله مع العباد مقدم على أعمالهم، وإنه ليعطي قبل السؤال ويتحقق مراد العبد بعد سؤاله بجميع النوال.

ثم أخبر عن تفضله بالنوال قبل السؤال بقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ} [البقرة: 187] ، والإشارة في تحقيق الآية أن لخواص الإنسان بحسب تزكيهم من الروحاني والحيواني تلونًا في الأحوال لا بد لهم منه، فتارة يكونون بحكم غلبات الصفات الروحانية والواردات الربانية في ضياء نهار الروحانية النورانية، ففي تلك الحالة لهم سكر يغنيهم عن المشارب النفسانية، فيصومون عن الحظوظ الإنسانية، وبقوا مع تلك الحالة لتلاشت نفوسهم بسطوات صفات الجلال، وطاشت أراحهم، وما عاشت أبدانهم، كما منَّ الله عليهم بقوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ} [القصص: 72] .

وتارة يكون بحسب الدواعي والحاجات الحيوانية مردودين إلى ليلة ظلمات الصفات الإنسانية، وفي تلك الحالة لهم صحو يعيدهم إلى أحكام عادات طبائع الحيوانية، ولو بقوا على تلك الحالة لماتت قلوبهم بهجوم الآفات وفات لهم من الحقوق ما فات، كما قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [القصص: 72] ، فخصهم الله تعالى بنهار في كشف أستار الرحمة؛ ليسكنوا فيها ويستريحوا بها.

وقال تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ} [البقرة: 187] ؛ أي ليلة تستريحون فيها وتستعدون لصيام غداتها؛ يعني: إن لم يكن ليلة الصيام ما أحل لكم فيها {الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ} ، وهي التمتعات النفسانية من الأمتعة الدنياوية المسخرة للنفس؛ لنفوذ تصرفها فيها تصرف الرجال في النساء الاستيفاء الحظوظ تقوية على أداء الحقوق ولا تكون مسخرة لها؛ لينفذ فيها تصرفها، {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ} [البقرة: 187] ؛ أي: التمتعات بالحظوظ الإنسانية ستر لكم؛ ليحميكم عن حرارة شموس الشهود بلباس ظلمات صفات الوجود؛ كيلا تحرقكم سطوات تجلي صفات الجلال، {وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} [البقرة: 187] ؛ أي: بلباس صفاتكم الحميدة وأنوار أعمالكم الصالحة تسترون معايب الدنيا وتمتعاتكم بمتاع شهوات النفس ولذاتها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"نعم المال الصالح للرجل الصالح"والمال هو الملعون الذي قال صلى الله عليه وسلم فيه:"الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه"فصار الملعون صالحًا ولقب بنعم إذا آمن بصلاح الرجل الصالح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت