فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 1648

{عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ} [البقرة: 187] في خصوصية البشرية، {تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 187] باستيفاء حظوظكم الحيوانية في ليالي الطلب من ضعفكم واستيلاء شهواتكم، {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 187] بنظر العناية إلى قلوبكم، {وَعَفَا عَنْكُمْ} [البقرة: 187] ؛ أي: محا آثار ظلمات صفاتكم بأنواع هدايته عنكم، {فَالْآنَ} [البقرة: 187] ؛ أي: في هذه الحالة، {بَاشِرُوهُنَّ} [البقرة: 187] ، رخص لكم في مباشرة الحظوظ النفسانية بقدر الحاجة للضرورة الإنسانية بالأمر لا بالطبع، {وَابْتَغُوا} [البقرة: 187] بقوة هذه المباشرة، {مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} [البقرة: 187] من المقامات العلية والدرجات الرفيعة، {وَكُلُواْ وَاشْرَبُوا} [البقرة: 187] ؛ أي: تمتعوا بالحظوظ؛ لرفع الحاجات الإنسانية في ليالي الصحو، {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187] ؛ أي: تظهر آثار أنوار شمس صفات الجلال وتمحو ظلمات الصفات والآمال في نهار السكر، {ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ} [البقرة: 187] ، بالامتناع عن الاستمتاع عن المشارب الروحانية والحيوانية، {إِلَى الَّليْلِ} [البقرة: 187] ؛ أي: ليل الصحو بعد السكر.

فكما أن الرزق منقسم إلى حالة قبض وإلى حالة بسط، فالأحوال أيضًا تنقسم إلى قبض وبسط وزيادة ونقص وجدب وخصب وفرق وجمع وأخذ ورد وكشف وستر وصحو وإثبات ومحو وفناء وبقاء وتلوين وتمكين، قال قائلهم:

كان سناءً لم يزل إذًا أبدا ... كان سناءً لم يكن إذا مضى

وقيل:

إذا أكرمتني تجلَّى لطفٌ ... كأني لم أزل منكم سقيمًا

فإن فاجأني بخفي مكرٍ ... كأني لم أجد منكمُ نسيمًا

{وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ} أي: وتشغلوا القلوب بالحظوظ، ولا الأرواح بالاستدراج، ولا الأسرار بالاستظهار عن الأغيار، {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187] ؛ أي: مقيمون في مقامات القربة والوصلة، مجاورون في حظائر القدس ومجالس الأنس؛ يعني: عند احتياج النفس بالضروريات الإنسانية في بعض الأوقات وإشغالها بها، كونوا بالضرورة فيها، وبالقلوب والأرواح والأسرار كائنين مع الحق بعيدين عن الخلق، وهذا مقام أهل التمكين، فإنكم إن كنتم مشاغيل بنفوسكم كنتم محجوبين فيكم بكم عنا، وإذا كنتم قائمين بنا فينا فلا تعودوا منا إليكم، {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} [البقرة: 187] ؛ أي: تلك القربة والوصلة والاعتكاف والتبتل إلى الله حدود الله، {فَلاَ تَقْرَبُوهَا} [البقرة: 187] ، بالخروج عنها يا أهل الكشوف والعكوف، ولا تقربوها بالدخول فيها يا أهل الكسوف والخسوف.

بأي نواحي الأرض أبغي وصالكم ... وأنتم ملوك ما لقصدكم نحو

{كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ} [البقرة: 187] يظهر الله، {آيَاتِهِ} [البقرة: 187] ودلائله وبراهنيه، {لِلنَّاسِ} [البقرة: 187] أهل الصدق والطلب، {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [البقرة: 187] بأنوار العواطف والجود عن ظلمات شركة الوجود.

ثم أخبر عن فساد الأحوال من أكل الأموال بقوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [البقرة: 188] ، والإشارة فيها أن الأموال خلقت لمصالح قوام النفس، وأن النفس خلقت للقيام بمراسم العبودية؛ لقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت