"كنت كنزًا مخفيًا فأردت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف".
{وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ * الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا} [الملك: 2 - 3] ؛ أي: سماوات أطوار القلب طبقًا طبقًا في كل واحدة منها حكمة خاصة، {مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ} [الملك: 3] ؛ يعني: لا يفوته، وإضافة الخلق في هذا المقام إلى الرحمن كانت من سر فينبغي ألاَّ يغفل عنه، وهو أنه بعد استوائه على العرش واستواء الخليقة على عرش القالب الجسماني خلق سماوات القلب والصدر، والسماء الروحانية، والأرض القالبية، {كَانَتَا رَتْقًا} [الأنبياء: 30] من قبل مقتضاهما عند استواء الرحمن على عرش الروح، واستواء خليقته على عرش القالب، وفي هذا سر يتعلق بحد القرآن مما ليس هو من نفس المستمعين.
{فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ} [الملك: 3] ؛ يعني: كرر النظر واعتبر بنظر الاعتبار هل ترى في خلقه من نقصان من الشوق والصدع أو الخرق؟ {ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ} [الملك: 4] كرة في ملكه، وكرة في ملكوته، وكرة بعين الحس، وكرة ببصيرة العقل حتى يقع نظرك في عالم ملكه وملكوته على شيء، يقول عقلك المضل وقواك الكافرة وهويتك المدعية للإلهية: ينبغي أن يكون هذا على خلاف ما خفلناه وسويناه، فيا أيها الجاهل الضال لا تتفكر في قبضتك وأنا ملك [الملوك] حتى ترى حكمة الحكيم إن لم تكن ممن يتفكر في ملكه العظيم، وتعلم أن لو يزيد أنملة على الأنامل الخمس كيف يكون قبيحًا؟! بحيث يحكم عقلك على قطها، ولو تنقص أنملة من الأنامل كيف تستحي منها وتمد يدك في كمك حتى لا يطلع على نقصانك أحد؟! وإن كانت الأنامل متصلة بعضها ببعض لا يمكن لك القبض والبسط، وإن كانت الأنامل مستوية لا يتصل بعضها ببعض وقت الضم، وعجائب القبضة الواحدة التي هي عضو جسماني من أعضائك، وعروقها، وأغصانها، وروابطها الظاهرة، وأظافرها، وكيفية تحليل الخلط السوداني من رؤوس الأظافر ينبغي أن تقطع في كل شهر مرتين، وكيفية عضلاتها وروابطها الباطنة إلى حقيقة صفة القدرة، واتصال القدرة بالإرادة، وتعلق الإرادة بالعلم الروحاني، ثم تعلق العلم بالقلم الذي في قبضة الحق، واتصال حقيقة القبضة الحقية باليد المذكورة في كلام المجيد وهلم جرا إلى الدقائق الجبروتية المتصلة بحقائق اللاهوتية مما لا يحصى أبد الدهر في ظنك بعجائب ملكه وملكوته، وجبروته ولاهوته، ومع هذا تدعي الربوبية الإلهية، وتعجز عن إدراك سر عضو من أعضائك أيها المعاند الجاهل.