{قَالَ هَذَا رَبِّي} [الأنعام: 76] ، وأول من سلك طريق الحق، وقال: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الصافات: 99] وأول من نطق بمحبته وقال: {قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ} [الأنعام: 76] ، وأول من أظهر الشوق، وقال: {لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ} [الأنعام: 77] ، وأول من أظهر العداوة مع غير المحبوب وقال: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 77] ، أول من اشتاق إلى الرب سأل الرؤية وقال: {رَبِّ أَرِنِي} [البقرة: 260] ، ولا تحسبن أن اشتياقه إلى الرب وتعطشه للرؤية، إنما كان وقت سؤال رب أرني، كما قيل شعر:
ولست حديث العهد شوقًا لوعة ... حديث هواكم في حشاي قديم
فإنه كان برهة من الدهر مستغرقًا في هذا البرح؛ ولكن من غاية الحلم والحياة في مقام الصدق والوفاء يراعي حق إجلال العظمة والكبرياء، ومن حفظ أدب الإجل لا يفتح على نفسه باب السؤال، ويقول:"حسبي من سؤال علمه بحالي"والله تعالى يرى قلبه وتقلبه والعشق وليسمع تحنثه وتأوهه من الحرقة والشوق، ويشاء تحمله وتحمله وتخلده إجلالًا لمولاه، فيقول الله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة: 114] ، وهو في ذلك يترصد فرصته يجد للسؤال فيها رخصة إلى أن يساقه التقدير إلى حسن التدبير وسأله نمرود: من ربك؟ فأجرى الحق على لسانه من فضله وإحسانه: {الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} [البقرة: 258] ، قال نمرود: وهي رأيت منه ما تقول أو رميت برمية ما به رأيت فوجد الخليل عليه السلام فرصة بهذا المقال لحق رخصته السؤال فأدرج في السؤال، فطلب بهذا الطريق مأموله فأخفى سره وهو: أرني في علته، وهو كيف يحيي الموتى بحفظ الأدب مع الرب، وهو يعلم أنه يعلم السر وأخفى، وكان يعلم الجليل ما هو مقصود الخليل وأول باب فتح عليه من مقصوده بأن خاطبه واسمعه بكلامه بفضله وجوده، وقال تعالى: {أَوَلَمْ تُؤْمِن} [البقرة: 260] ، وكان فيه هذه الكلمة من إعجاز القرآن ثلاثة أجوبة مضمرة وثلاثة معان مدرجة مناسبة للسؤال.
وأما الأجوبة: فظاهر السؤال كان دالًا على طلب إحياء الموتى.
فأجابه وقال: {أَوَلَمْ تُؤْمِن} يعني ما آمنت عند نمرود بأني أحيي وأميت، فما كان إيمانك حقيقًا.
والجواب الثاني: وذلك أن الخليل أخفى سره وهو طلب الرؤية وعين سؤاله، فكذلك الرب تعالى أخفى سره، وقال: {أَوَلَمْ تُؤْمِن} بمعياد رؤيتي في الجنة فأريك ثمة.
والجواب الثالث: أن الخليل ما كان شاكًا فيما التمس ظاهرًا؛ ولكنه أرى نفسه مشككًا تعللًا لسؤال المرام في ثناء الكلام، فكذلك الرب تعالى ما كان شاكًا في مقصود الخليل المضمر في سؤاله؛ ولكنه أجاب تشككه في إراءة نفسه كالمتشكك في المقصود والمضمر في سؤاله وقال: {أَوَلَمْ تُؤْمِن} يعني بما طلبت من الإحياء وتغافل عن مرام الجليل من كلامه مجيبًا فيما صنع.
وأما المعاني الثلاثة: فالأول: أنه أضمر معنى الإثبات في لفظه النفي قال: {أَوَلَمْ تُؤْمِن} أي: بل تؤمن، كقوله: