فهرس الكتاب

الصفحة 210 من 1648

وسادسها: أنه موجب لزيادة إيمان مع إيمانه؛ لأن المتصدق في صدقته كالزراع في زراعته، فإن للزراع إيمانًا بأن له من زراعته البذور ثمرة أوفى من البذر، ولكنه مما يجد موجبًا لزيادة هذا الإيمان بحصول الثمرة، فيبالغ في الزراعة بجودة البذر لتحققه أن جودة البذر مؤثرة موجبة بجودة الثمرة وكثرتها، وكذلك المتصدق فكلما ازداد إيمانه بالله والبعث والثواب والعقاب يزيد في الصدقة وجودتها لتحققه {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [النساء: 40] ، و {وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 40] .

وسابعها: إنه لمَّا يعطي الله أحب ما عنده فإن الله يجازيه بأحب ما عنده، كما قال: {هَلْ جَزَآءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ} [الرحمن: 60] ، وأما تقديم كسب العبد على ذكر ما أحبه من الأرض واحتضنه بالطيب ففيه إشارة إلى:"إن الطيب ما يأكل الرجال من كسب يده"كما قال صلى الله عليه وسلم.

وفي قوله: {أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة: 267] ، إشارة إلى معنى آخر في غاية اللطائف؛ يعني: أنفقوا من طيبات نياتكم، من تزكية النفوس وتصفية القلوب عن خيانة صفات النفس الخبيثة وتصرفات الشيطان الخبيث، {وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ} [البقرة: 267] ، طينتكم في تجلية سرائركم بمكارم الأخلاق وأنوار الوفاق؛ لتكون الشفقة طيبة من خباثة الشبهات في نفسها، طيبًا إنطاقها من خباثة الأغراض والعلل الدنيوية والأخروية، طيبًا منفقها من خيانة الالتفات، والنظر في الإنفاق إلى غير الله تعالى، {وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ} [البقرة: 267] ؛ يعني: النفقة الخبيثة في نفسها، بخباثة الشبهات بالنية الخبيثة، بخباثة الغلات من النفس الخبيثة، بخباثة الصفات الذميمة عن المنفق الخبيث؛ وهو: القلب الملوث بخباثة الالتفات، والنظر في الإنفاق إلى غير الله {مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة: 267] ؛ يعني: لا تنفقوا إلا من الوجوه الطيبات كما قررنا، حتى يكون مقبولًا"فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا"وإن الله تعالى بحسب كل طيب قبولًا طيبًا، فإذا كانت الصدقة طيبة في نفسها لله قبول طيب عن الوسائط، فيأخذها بيده فيزيدها قبل أن تقع في يد الفقير، وإذا كانت النية في إنفاقها فلله قبول طيب فإنها أبلغ عند الله من عملها، وإذا كان القلب المنفق طيبًا عن الالتفات إلى غير الله قبول طيب عن الأخيار بين أصبعين من أصابع الرحمن، فها هنا يتحقق لذوي البصائر الطيبة:"إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب"، ومن هنا تبين حقيقة {الطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ} [النور: 26] .

ثم قال: {وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ} [البقرة: 267] ؛ يعني: وأنتم لستم بآخذي هذه الخبائث في أصل الفطرة، ولا في عهد الخلقة من النية الخبيثة؛ لأنكم خلقتم من أصل طيب وطينة طيبة، والروح من أطيب الأطايب؛ لأنها أقرب الأقربين إلى حضرة رب العالمين لكرامة شريف إضافة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت